‫الرئيسية‬ مقالات الطعن في الجيش بلا دليل تضليل متعمد للرأي العام
مقالات - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

الطعن في الجيش بلا دليل تضليل متعمد للرأي العام

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ على ما كتبه هشام عباس في صفحته من اتهامات صريحة لسعادة رئيس مجلس السيادة محمد عبد الفتاح البرهان والجيش السوداني بأنهم يتلقون أوامرهم من شخصيات مدنية بعينها. وهي – في حقيقتها – أسطوانة مشروخة يكررها بعض المناوئين لحرب الكرامة، ممن اصطفوا سياسيًا مع المليشيا، وحاولوا تسويق خطابهم تحت لافتات الديمقراطية والإنسانية.

وأقولها بوضوح لا لبس فيه: هذا قول خطير، وجريمة معنوية في حق مؤسسة وطنية تخوض حربًا مصيرية دفاعًا عن الدولة. إن الاستسهال في إطلاق مثل هذه التهم دون بيّنة قاطعة ليس شجاعة فكرية، بل تهوّر سياسي وتضليل للرأي العام.

الأدهى من ذلك أن صاحب الاتهام يُكثر من القسم بالله لإثبات دعواه، وكأن الحلف يُغني عن الدليل. والقاعدة الشرعية الواضحة التي استقر عليها القضاء والفقه: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر». فاليمين لا تُقام مقام البرهان، ولا تُستعمل لإثبات دعوى ابتداءً، وإنما تُطلب عند إنكار التهمة إذا عجز المدّعي عن إقامة الدليل. أما أن يُستعاض عن البرهان بالقسم، فذلك لا يصنع حقيقة، بل يكشف عن ضعف الحجة.

إن من يزعم أن الجيش يتبع لجهة مدنية عليه أن يأتي بوثيقة، أو قرار رسمي، أو قرينة قانونية معتبرة تثبت هذا الزعم. أما الكلام المرسل، والتلميحات السياسية، وترديد الأسطوانة ذاتها التي درج عليها بعض المناوئين لحرب الكرامة، فلن يحول الادعاء إلى واقع مهما تكرر.

التاريخ نفسه يكذّب هذه الرواية المختزلة. مرّت على الجيش السوداني عهود سياسية متباينة، وتداخلت فيه توجهات مختلفة عبر الأنظمة المتعاقبة. كان الفريق فضل الله برمة ناصر من قيادات الجيش البارزة قبل عهد البشير، ثم أصبح لاحقًا رئيسًا لحزب الأمة. فهل قيل يومها إن الجيش كان ذراعًا لحزب الأمة؟ وهل صار شيوعيًا في مرحلة نميري الأولى؟ وهل تحوّل إلى جهاز تنظيمي خالص في كل مرحلة حكم؟ المؤسسة العسكرية أكبر من الأفراد وأوسع من التحزّب، وتاريخها يثبت أنها لم تكن يومًا لجنة تنفيذية لحزب بعينه.

ثم إن لحظة ثورة ديسمبر كانت الاختبار العملي الأوضح. كان بإمكان الجيش – لو أراد – أن يقمع الثورة كما فعلت بعض جيوش المنطقة، وأن يطبق على الشارع بالقوة المفرطة، وأن يسلك طريق الدماء والإغلاق الكامل للحياة السياسية. لكنه لم يفعل. بل انحاز للشعب، وأزاح رأس النظام، ودخل في ترتيبات انتقالية مع قوى سياسية مدنية. هذا موقف عملي لا يمكن محوه من الذاكرة الوطنية، مهما اختلف الناس في تقييم المرحلة الانتقالية لاحقًا.

القول اليوم إن المؤسسة العسكرية تتلقى أوامرها من أفراد مدنيين عبر قنوات خفية، في وقت تخوض فيه معركة ضد مليشيا مسلحة ارتكبت جرائم موثقة في حق المدنيين، ليس مجرد تحليل سياسي؛ بل هو تشكيك متعمد في عمود الدولة الفقري، ومحاولة لضرب الثقة في مؤسساتها. من حق أي مواطن أن ينتقد أداء الجيش أو قرارات قيادته، لكن ليس من حق أحد أن يطعن في بنيته المؤسسية باتهامات بلا دليل.

إن القسم لا يُغني عن البرهان، وتكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة، والجيش السوداني – بما له وما عليه – مؤسسة وطنية قامت عبر تاريخها على عقيدة الانتماء للدولة لا للأحزاب. ومن يدّعي خلاف ذلك فعليه أن يتحمل عبء الإثبات أمام الشعب، لا أن يلوذ بأيمان مغلظة وظنون سياسية.

في زمن تتعرض فيه البلاد لمحاولة تفكيك وجودها، يكون أقل الواجب أن نزن كلماتنا بميزان المسؤولية. أما إطلاق الاتهامات جزافًا، فلن يسقط مؤسسة، ولن يقنع شعبًا، ولن يغير حقيقة أن الدليل هو الفيصل، وأن من ادعى فعليه البيّنة.

‫شاهد أيضًا‬

إيران – أمريكا وإسرائيل : حين تتحول الحرب العبثية إلى واقع مشتعل

لم تعد المواجهة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى مجرد حرب تصريحات أو صراع ظل…