‫الرئيسية‬ مقالات حين تتحول الثروة إلى لعنة في سوق الأطماع
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

حين تتحول الثروة إلى لعنة في سوق الأطماع

السلطان عبدالعظيم الشيخ محمد البرناوى

في كل مرة يقترب فيها السودان من التقاط أنفاسه، تعود الأزمات لتضعه في قلب العاصفة من جديد. بلدٌ غني بالأرض والماء والذهب، وشعبٌ عُرف بالصبر والكرم، لكنه يجد نفسه باستمرار على حافة الصراع. وبين سؤال الحرب وسؤال الدولة، يتردد سؤال أكبر: لماذا يبدو السودان دائماً في مرمى الأطماع؟

موقع يصنع الاهتمام… ويجلب التنافس

ليس من السهل تجاهل بلدٍ يتوسط القارة الإفريقية ويربطها بالعالم العربي، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. هذا الموقع جعل السودان بوابةً للتجارة والهجرة والنفوذ العسكري، كما جعله جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي والدولي. فالدول لا تنظر إلى الجغرافيا بوصفها حدوداً فقط، بل باعتبارها فرصاً للسيطرة والتأثير.

وهكذا تحوّل الموقع السوداني من ميزة استراتيجية إلى ساحة تنافس خفي ومعلن.

ثروات هائلة… ودولة تبحث عن الاستقرار

من الأراضي الزراعية الخصبة إلى الثروة الحيوانية والمعادن النفيسة، يمتلك السودان إمكانات تؤهله ليكون من أغنى دول المنطقة. غير أنّ هذه الموارد ظلت في كثير من الأحيان وقوداً للصراع بدلاً من أن تكون أساساً للتنمية. فالذهب الذي يلمع في باطن الأرض يثير شهية المستثمرين والمتنافسين، والأراضي الشاسعة تفتح باباً لصراع المصالح الاقتصادية.

في عالم تحكمه الندرة، يصبح الغنى نفسه سبباً في الضغط والتدخل.

انقسامات الداخل… أخطر من أطماع الخارج

لا يمكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما يحدث؛ فالتاريخ السوداني الحديث يكشف أن هشاشة التوافق الوطني والانقسامات السياسية لعبت دوراً كبيراً في فتح الباب للتدخلات. عندما تتعدد مراكز القوة وتضعف المؤسسات، يتحول الوطن إلى ساحة صراع بالوكالة، ويصبح القرار الوطني عرضة للتجاذبات.

إنّ أخطر ما يواجه السودان ليس الأطماع ذاتها، بل قابلية البيئة الداخلية لاستقبالها.

لعبة المحاور… والسودان في المنتصف

تشهد المنطقة المحيطة بالسودان صراع نفوذ متصاعداً، سواء في البحر الأحمر أو القرن الإفريقي أو عمق القارة. هذا الواقع جعل السودان جزءاً من معادلات أكبر من حدوده، حيث تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة. ووسط هذه الشبكة المعقدة، يجد السودان نفسه أحياناً حليفاً مرغوباً، وأحياناً ساحة تنافس، وأحياناً ورقة ضغط.

وهنا تتعقد الأزمة، لأن الصراع لا يكون فقط على السودان، بل عبر السودان.

صورة بلد الأزمات… ومعركة الوعي

ساهمت التغطيات الإعلامية التي تركز على الحرب والانهيار في ترسيخ صورة ذهنية عن السودان كبلد غير مستقر، ما أثر على فرص الاستثمار والثقة الدولية. غير أنّ هذه الصورة لا تعكس حقيقة مجتمع حيّ ومبدع يمتلك طاقات بشرية هائلة. معركة السودان اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي والسردية أيضاً؛ كيف يعرّف نفسه للعالم، وكيف يحمي صورته ومستقبله.

هل من مخرج؟

رغم قتامة المشهد، فإنّ التاريخ يثبت أن الدول التي تملك الوعي والإرادة تستطيع تحويل نقاط ضعفها إلى مصادر قوة. والسودان ليس استثناءً؛ فمفتاح الخروج من دائرة الأطماع يبدأ بوحدة الصف الوطني، وبناء مؤسسات قوية، وإدارة عادلة للموارد، وصياغة سياسة خارجية متوازنة تحمي المصالح دون الانخراط في صراعات الآخرين.

عندما يصبح الداخل متماسكاً، تفقد الأطماع كثيراً من تأثيرها.

خاتمة: وطن أكبر من الجراح

السودان ليس مجرد ساحة صراع كما تصوره العناوين العاجلة، بل وطن عميق الجذور، غني بالإنسان والتاريخ والإمكانات. وبين الألم والأمل، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يظل السودان في مرمى الأطماع، أم ينجح أبناؤه في تحويله إلى مركز استقرار وتعاون؟

الإجابة لا تُكتب في تقارير السياسة وحدها، بل تُصاغ بإرادة شعب يؤمن أن الوطن، مهما اشتدت عليه العواصف، قادر على النهوض من جديد.

 

عبد العظيم الشيخ محمد البرناوي سلطان ديوان سلطنة البرنو وخليفة سجادة الشيخ محمد البرناوي بالسودان.

‫شاهد أيضًا‬

إيران – أمريكا وإسرائيل : حين تتحول الحرب العبثية إلى واقع مشتعل

لم تعد المواجهة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى مجرد حرب تصريحات أو صراع ظل…