‫الرئيسية‬ مقالات غُلِبَت… ثم سيغلبون
مقالات - ‫‫‫‏‫30 دقيقة مضت‬

غُلِبَت… ثم سيغلبون

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

“الهزيمة في زمن الحروب الهجينة… ليست خسارة أرض، بل خسارة معنى.”

 

في المقال السابق، تناولنا كيف أن تسمية الأشياء بمسمياتها ليست ترفًا لغويًا، بل أداة سيادية لإغلاق فجوة التعبير أمام الرأي العام، ومنع تسلل السرديات المعادية إلى الوعي الجمعي. واليوم، ونحن نقرأ ما يجري في الإقليم — من صدمات أمنية، واغتيالات نوعية، ومحاولات تفكيك الجبهات الداخلية — فإننا لا نجد إطارًا تحليليًا أعمق من مطلع سورة الروم، الذي يقدم لنا ليس فقط نبوءة تاريخية، بل نموذجًا استراتيجيًا لإدارة لحظة الانكسار.

من “غُلِبَت” إلى “سيغلبون”: ماذا حدث بين الكلمتين؟

حين هُزمت الإمبراطورية البيزنطية أمام الفرس في أوائل القرن السابع الميلادي، لم يكن ذلك مجرد تراجع ميداني. لقد كانت هزيمة نفسية، واقتصادية، ورمزية هزّت صورة الدولة في وعي رعاياها. في عهد الإمبراطور هرقل، سقطت أطراف الدولة، وتآكلت ثقة الناس في قدرتها على البقاء.

وهنا، يتدخل النص القرآني ليعيد تعريف اللحظة:

“وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ…”

إنها ليست فقط وعدًا، بل انتقالٌ من توصيف الحدث إلى صناعة المستقبل.

من تسجيل الهزيمة… إلى إعادة تموضع الدولة داخل الزمن الاستراتيجي.

وهنا تبدأ #أصل_القضية

 

اولا : الهزيمة كفرصة تعبئة… لا كبداية انهيار

في أدبيات الواقعية البنيوية، ثمة مفهوم يُعرف بـ:

Resilience Through Strategic Reconstitution

المرونة عبر إعادة التشكيل الاستراتيجي

أي أن الدول التي تتعرض لصدمة أولى، يمكنها — إن أحسنت إدارة:

●السردية

●التهديد

●الزمن

أن تحوّل الهزيمة إلى محفز تعبوي، لا إلى لحظة تفكك داخلي.

وهذا بالضبط ما تشير إليه عبارة:

“في أدنى الأرض”

حيث تقع الهزائم عادةً في الأطراف الهشة جيوسياسيًا، قبل أن يُختبر تماسك المركز.

 

ثانيا : السودان بين لحظة “غُلِبَت”… ومشروع “سيغلبون”

 

في السودان، ومنذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، شهدنا اختراقات في الأطراف:

●مدن سقطت

●مؤسسات تعطلت

●خطاب عام انقسم

لكن السؤال لم يكن:

هل هُزمنا في الأطراف؟

بل:

هل سمّينا ما جرى؟

أم تركنا الآخرين يُكملون الجملة؟

فالهزيمة التي لا تُدار سرديًا، تتحول إلى:

●فقدان ثقة شعبي

●نزاع نخبوي

●تآكل في الإرادة الجمعية

ومن هنا، يتحول مسار: “تسقط بس” إلى “تسكت بس”

ليس لأنه قرار شعبي، بل لأنه نتيجة فراغ تعبيري ملأه الآخرون.

 

ثالثا: إيران- حين تُغلق فجوة التعبير قبل فتح جبهة الرد

 

ما حدث مؤخرًا في إيران — عقب الضربة التي استهدفت مقر إقامة المرشد الأعلى علي خامنئي — يعكس إدراكًا مبكرًا لهذه المعادلة:

●تسمية فورية لما جرى

●تحديد لطبيعة التهديد

●توجيه للغضب الشعبي نحو الخارج

> أي: إدارة الصدمة… قبل إدارة الصواريخ.

وهو ما يتسق مع النموذج القرآني:

> توصيف الهزيمة لا يمنع النصر، بل قد يكون شرطًا لحدوثه.

 

رابعا : الزمن كمتغير استراتيجي:

 

“في بضع سنين”

الآية لا تعد بالنصر الفوري، بل تؤسس لفكرة:

Delayed Victory Horizon

أفق النصر المؤجل

أي أن الدولة التي تُحسن إدارة:

●لحظة الهزيمة

●سردية الصراع

●تعبئة المجتمع

يمكنها أن تُراكم عناصر القوة، حتى ينقلب ميزان الردع خلال سنوات.

وهنا، يصبح الزمن: ليس خصمًا… بل موردًا.

 

خامسا : ضمن استراتيجية “الجسر والمورد”

يقدم مطلع سورة الروم قاعدة ذهبية:

> لا تُقاس قوة الدولة بما خسرته أمس،بل بما تستطيع أن تعبئه غدًا.

فالمعركة لم تعد فقط على الأرض،

بل على:

●من يُسمّي الهزيمة؟

●من يُدير معناها؟

●ومن يحدد اتجاه الغضب العام؟

 

#أصل_القضية: السيادة تبدأ من اللغة… والنصر يبدأ من القصة

 

إن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة في زمن الحرب،

هو أن تخوض معركةً… دون أن ترويها.

لأن الهزيمة التي لا تُحكى من الداخل،

ستُحكى من الخارج… كنهاية.

بينما يُعلّمنا مطلع سورة الروم،

أن بعض الهزائم…

ليست إلا بدايةً مؤجلة للنصر.

وهنا #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

لم يعد الصمت ممكنا !!

أروني دولة سنية واحدة قد ادخلت الرعب في قلوب اليهود وجعلتهم كالجرزان يهرعون الي الجحور وال…