بين نيران المحاور الكبرى: كيف تنجو الدول العربية من حرب إيران وإسرائيل وأمريكا ؟
مسارات د.نجلاء حسين المكابرابي

لم يعد التصعيد بين إيران وإسرائيل مجرد توتر عابر في خاصرة الشرق الأوسط، ولا هو اشتباك محدود يمكن احتواؤه بضربة محسوبة أو بيان سياسي. فمع الحضور الفاعل لـ الولايات المتحدة في معادلة الردع والدعم العسكري، تتشكل حرب معقدة متعددة المستويات، تمتد من الميدان العسكري إلى الفضاء السيبراني، ومن مضائق الملاحة إلى أسواق الطاقة. وفي قلب هذه العاصفة تقف الدول العربية، لا كمتفرج محايد، بل كجغرافيا مكشوفة ومصالح متشابكة ومستقبل معلق على توازنات دقيقة.
حرب بلا جبهة واضحة
الطبيعة الراهنة للصراع تكشف عن نموذج جديد من الحروب؛ ليست حرباً شاملة حتى الآن، وليست سلاماً مستقراً. إنها حرب الظل والرسائل المتبادلة، الضربات المحدودة، واستعراضات القوة، والضغط عبر الحلفاء والوكلاء. هذا الشكل من الصراع يضع الدول العربية أمام تحدٍّ مزدوج: كيف تتجنب التحول إلى ساحة تصفية حسابات؟ وكيف تحافظ على علاقاتها المتوازنة مع أطراف متنازعة؟
فأي اتساع رقعة المواجهة قد يهدد:
أمن الممرات البحرية الحيوية.
استقرار أسواق النفط والغاز.
سلاسل الإمداد الغذائي.
التوازنات الداخلية الهشة في بعض الدول.
معادلة البقاء: الحياد الذكي لا الانحياز المكلف
في أجواء الاستقطاب الحاد، يصبح الانحياز غير المحسوب مغامرة عالية الكلفة. الخيار الأكثر عقلانية أمام كثير من الدول العربية هو “الحياد الإيجابي”، أي رفض الانخراط العسكري المباشر، مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية مفتوحة مع جميع الأطراف. هذا الحياد ليس انسحاباً من المشهد، بل محاولة لحماية المصالح الوطنية ومنع الانجرار إلى صراعات لا تخدم الأولويات الداخلية.
التاريخ القريب يُظهر أن الدول التي حافظت على توازن علاقاتها الدولية استطاعت تقليل الخسائر، بينما دفعت الدول التي تورطت في محاور صلبة أثماناً سياسية واقتصادية باهظة.
الجبهة الداخلية: التحدي الأخطر
الحروب الخارجية غالباً ما تكشف هشاشة الداخل. فمع كل تصعيد، يرتفع منسوب الخطاب الطائفي والاستقطاب السياسي، وتنتعش حملات التضليل الإعلامي. لذلك فإن بقاء الدول العربية لا يرتبط فقط بقرارات السياسة الخارجية، بل بمدى قوة مؤسساتها، وصلابة نسيجها الاجتماعي، وقدرتها على إدارة التنوع والاختلاف دون انزلاق نحو الانقسام.
الاقتصاد كذلك يمثل خط الدفاع الأول؛ إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، أو اضطراب حركة التجارة، قد يضغط على الموازنات العامة ويزيد من أعباء المواطن، ما لم تكن هناك سياسات استباقية ومخزونات استراتيجية ورؤية اقتصادية بعيدة المدى.
مخاطر التحول إلى ساحات بالوكالة
أحد أخطر السيناريوهات يتمثل في استخدام أراضٍ عربية كساحات مواجهة غير مباشرة، سواء عبر ضربات محدودة أو عبر دعم أطراف محلية. هذا الاحتمال يفرض على الدول العربية تعزيز سيادتها الأمنية، وتحصين أراضيها من أي انخراط قسري في نزاع إقليمي واسع.
كما أن الانقسام العربي بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك قد يعيد إنتاج حالة الاستقطاب التي عانت منها المنطقة في مراحل سابقة، ما يضعف الموقف الجماعي ويمنح القوى الكبرى هامشاً أوسع للمناورة.
بين الردع والتسوية: أين تتجه المنطقة؟
ثمة ثلاثة مسارات محتملة:
استمرار الردع المتبادل دون انفجار شامل.
انزلاق إلى حرب واسعة تجر أطرافاً إقليمية إضافية.
تسوية مرحلية بضغط دولي تجنب المنطقة الأسوأ.
غير أن العامل الحاسم في كل هذه السيناريوهات هو قدرة الدول العربية على صياغة مشروع وطني مستقل، يضع المصلحة العليا فوق الحسابات الظرفية، ويستثمر اللحظة التاريخية لبناء مؤسسات قوية واقتصادات متماسكة.
الخلاصة: من ساحة صراع إلى لاعب متوازن
في زمن التحولات الكبرى، لا يكفي أن تتمنى الدول العربية السلام، بل عليها أن تُحسن إدارة المخاطر. البقاء ليس مجرد تفادي الضربة، بل بناء القدرة على الصمود إن وقعت. والدرس الأبرز أن من لا يملك قراره الوطني يصبح رقماً في معادلات الآخرين.
المرحلة القادمة ليست اختبار قوة عسكرية فحسب، بل اختبار حكمة سياسية. وبين نيران المحاور الكبرى، قد يكون الذكاء الاستراتيجي هو السلاح الأهم لضمان بقاء الدول العربية واستقرارها.
موقعة بدر الكبرى
الحمد لله وحده، نصر جنده، وأعزَّ دينه، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ …





