‫الرئيسية‬ مقالات بين النزوح والمرض الصامت هل يطرق الإيدز أبواب المجتمع السوداني؟
مقالات - ‫‫‫‏‫39 دقيقة مضت‬

بين النزوح والمرض الصامت هل يطرق الإيدز أبواب المجتمع السوداني؟

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تتداول بعض الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي أنباءً مقلقة عن ارتفاع حالات الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وسط بعض الجاليات السودانية النازحة في عدد من دول الجوار، مثل إثيوبيا وإريتريا وأوغندا وجنوب السودان، وأن عدد المصابين قد يتجاوز تسعة آلاف من الشباب والشابات، نتيجة علاقات محرمة – كما تذكر تلك الروايات.

وبغض النظر عن صحة هذه الأرقام من عدمها، أو دقة ما يُنقل في وسائل الإعلام، فإن مجرد تداول مثل هذه الأخبار ينبغي ألا يُقابل بالاستخفاف أو التجاهل، بل بالتعامل الواعي والمسؤول؛ لأن قضايا الصحة العامة لا تحتمل التساهل، ولا يجوز أن تكون موضع إنكار أو جدل عاطفي، بينما الخطر – إن وُجد – قد يتسلل بصمت إلى المجتمع.

إن الحروب والنزوح الطويل، وما يصاحبهما من تفكك اجتماعي وضغوط نفسية واقتصادية، قد يفتح أبوابًا كثيرة للانحرافات السلوكية أو الاستغلال أو ضعف الرقابة الأسرية، وهذه كلها عوامل تجعل المجتمعات النازحة أكثر عرضة للمشكلات الصحية والاجتماعية. ولهذا فإن التعامل مع القضية ينبغي أن يكون من زاوية الوقاية والمسؤولية، لا من زاوية الاتهام أو التشهير.

ومن هنا، فإن من واجب الدولة السودانية – متى ما عاد النازحون أو اللاجئون إلى البلاد – أن تتعامل مع الملف بمنهج علمي وصحي واضح، عبر إجراءات منظمة تشمل الفحوصات الطبية اللازمة، وبرامج الكشف المبكر، وتقديم الرعاية الصحية المناسبة للمصابين، مع اتخاذ التدابير الوقائية التي تمنع انتشار المرض داخل المجتمع.

فالحجر الصحي أو الفحص الطبي ليس عقوبة ولا وصمة، بل هو إجراء صحي معمول به في كل دول العالم لحماية المجتمع، ولضمان تقديم العلاج والرعاية لمن يحتاجها. كما أن التعامل الإنساني مع المرضى واجب شرعي وأخلاقي؛ إذ إن المرض ابتلاء، والواجب تجاه المريض هو العلاج والرعاية لا الإقصاء.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه الأخبار – سواء ثبتت صحتها أو لم تثبت – ينبغي أن تكون جرس إنذار للمجتمع كله: للأسرة، والمؤسسات التعليمية، والدعاة، والإعلام، من أجل تعزيز الوعي بالقيم الأخلاقية، والتأكيد على خطورة العلاقات المحرمة وما يترتب عليها من آثار صحية واجتماعية مدمرة.

لقد جعل الإسلام حفظ النفس من مقاصد الشريعة العظمى، قال تعالى:

﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ [النساء: 29]،

كما أمر بالبعد عن أسباب الفساد والانحراف فقال سبحانه:

﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا﴾ [الإسراء: 32].

فهذه التوجيهات الربانية ليست مجرد أوامر أخلاقية، بل هي كذلك حماية للمجتمع من أمراض وآفات لا تقف آثارها عند الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والأمة كلها.

إن السودان اليوم يمر بمرحلة دقيقة، تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء العمران. وصحة المجتمع جزء أصيل من أمنه واستقراره، بل هي أساس قوته وقدرته على النهوض من جديد.

ولهذا فإن التعامل الحكيم مع مثل هذه الأخبار ينبغي أن يجمع بين التحقق من المعلومات، واليقظة الصحية، والرحمة بالمصابين، والحزم في الوقاية؛ حتى يبقى المجتمع معافى، وتبقى قيمه راسخة، وأجياله القادمة أكثر وعيًا ومسؤولية.

فربما كانت هذه الأخبار مجرد مبالغات إعلامية…

وربما كان وراءها جزء من الحقيقة لكن العاقل لا ينتظر الكارثة حتى يصدقها، بل يتعامل مع المؤشرات بوصفها ناقوس خطر يدعونا إلى اليقظة قبل فوات الأوان.

‫شاهد أيضًا‬

موقعة بدر الكبرى

الحمد لله وحده، نصر جنده، وأعزَّ دينه، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ …