الإدهاش الثالث في ليلة القدر
خواطر رمضانية (1447) 30/17 عادل عسوم

ماهي (البركة) التي وصفت بها ليلة القدر؟!
قال الله تعالى:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ…}3 الدخان.
البركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء ودوامه، والبركة تترتب عليها سعادة الدنيا ووفرة ثواب الله في الآخرة.
ولقد وردت كلمة البركة وصيغها في القرآن الكريم 32 مرة.
ولإضاح ماهية البركة ولنتبين إدهاشها؛ لنأخذ الماء -الذي جعله الله مباركا- كمثال:
قال الله تعالى:
{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} ق 9
في هذه الآية الكريمة وصف الله تعالى الماء بكونه مبارك، انظروا يا أحباب ماذا فعلت هذه البركة الإلهية بالماء دون بقية السوائل:
يتخذ الماء الحالة السائلة في درجات الحرارة العادية، تخيلوا لو لم يكن الماء سائلا في درجة الحرارة العادية، كيف كان للانسان والحيوان التعامل معه عند الشرب؟!
ثم إنه سائل لا طعم له ولا لون ولا رائحة، تخيلوا لو كان له طعم ولون ورائحة؟!
فسيؤثر ذلك سلبا في طعم ولون ورائحة كل مايتم أكله وشربه من ثمار وأطعمة!
وقد جعل الله تعالى درجة غليان الماء مائة درجة، ولو كانت درجة غليانه اقل او أكثر لحدثت العديد من الاشكالات الحياتية للناس والأحياء!
وجعل الله للماء قدرة عالية على امتصاص الحرارة وبالتالي التبريد، ويزداد حجم الماء عند تجمده وتنقص كثافته، وهذه الخاصية بعكس بقية السوائل الأخرى قاطبة، وان كان الأمر عكس ذلك لماتت كل الأحياء البحرية، لكنها تعيش بسبب طفو طبقة الجليد فوق سطح الماء لا العكس!،
ثم إن الماء مذيب جيد للمواد الأيونية، ويدخل في التفاعلات الكيميائية حيث له أهمية قصوى في دورة الحياة كعملية البناء الضوئي، ويحتوي كذلك على هواء ذائب فيه، وهذه الأجزاء التي يشغلها الهواء الذائب هي ما تشغل بما يذيبه من سكر أو ملح مثلاً.
يااااه
لإن كانت البركة تفعل كل ذلك بالماء؛ كيف يكون حال ليلة القدر المباركة يا أحباب؟!
لقد تعددت مجالات البركة في القرآن الكريم ومنها:
إسناد البركة إلى ذات
الله تعالى وأسمائه.
{تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} الأعراف 54
ومنها مباركة الله تعالى للأنبياء وأممهم،
ووصف الله تعالى القرآن الكريم بالبركة، ومن ذلك:
قال الله تعالى:
{وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} الأنعام 92
{وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأنعام 155
وقد بارك الله في بعض الأمكنة ومنها البيت الحرام، والمسجد الأقصى وماحوله، قال الله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. والبركة التي ذكرها الله عز وجل تعني بركة أزلية تستمر الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمنذ خلق الأرض جعل هذه البقعة مقدسة ومباركة لكونها مقر الأنبياء ومهبط الملائكة، وبها عاش الأنبياء والرسل وبلغوا الرسالات من إبراهيم إلى عيسى عليهم السلام، وبها تنزلت الكتب السماوية، صحف إبراهيم وتوراة موسى والزبور والإنجيل، كما شهد هذا المكان قيام أعظم الممالك كمملكة داوود وسليمان عليهما السلام، وبهذه البركة نشأت وتنشأ أجيال من صفوة المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ولا يضرهم من خذلهم ومنهم أهل فلسطين اليوم نسأل الله لهم النصر العاجل المؤزر على الصهاينة الغاصبين ومن يدعمهم.
ومن الأمكنة البقعة المباركة من شاطئ الواد الأيمن والشجرة المباركة التي أتاها موسى عليه السلام، قال الله تعالى:
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} القصص 30
وهنا تعن لي خاطرة خلال تدبري لهذه الآية الكريمة فأقول بتوفيق الله:
لإن كانت حرمة النفس اسمى من حرمة الكعبة لكونها من خلق الله، فإن الزمان الذي خلقه الله تعالى ولم يؤت الإنسان قدرة على تمام إدراك كينونته وماهيته إن حلت فيه بركة الله؛ فإنه يكون أعلى قدرا من كل مكان وإن حلت فيه بركة الله، وعليه فإن ليلة القدر أعظم وأكثر خيرية من البقعة المباركة والشاطئ والشجرة.
والله أعلم
ووصف ليلة القدر بالبركة رهين بنزول القرآن (المبارك) فيها، فهي بذلك مباركة كزمان ومباركة كذلك بماحوت من كلام الله المنزل من الله!!!
وفي ليلة القدر تتنزل الملائكة، وتتنزل الرحمة، و فيها تجاب الدعوات ويعيد الملائكة إبدال الأقدار…
قال الله تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}
القدر1-5
وبركة هذه النعمة لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحدها بحد، أو يحصرها بحصر، بل يعجز الإنسان عن الاحاطة بما تحويه من منافع دنيوية وأخروية لعظم بركة الله التي لاتدركها عقول البشر ولاتحيط بها.
اللهم أجعلنا ممن يدركون ليلة القدر ويحظون بخيرها، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
وإلى اللقاء في خاطرة اليوم الثامن عشر ان شاء الله.
آمنت بالله
adilassoom@gmail.com
موقعة بدر الكبرى
الحمد لله وحده، نصر جنده، وأعزَّ دينه، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ …





