‫الرئيسية‬ مقالات هاشم محمود..المتمرد الذي صاغ الذاكرة وراهن على السلم
مقالات - مارس 6, 2026

هاشم محمود..المتمرد الذي صاغ الذاكرة وراهن على السلم

 د. حسين عبدالعزيز

حين نتأمل تجربة الكاتب والروائي هاشم محمود ندرك أننا أمام مشروعٍ أدبي لم يبنَ على المصادفة، بل على رؤيةٍ واضحةٍ تتكئ على ركيزتين أساسيتين:

من جهة أولى، السلم الاجتماعي والتعدد العرفي بوصفهما قاعدة لبناء المجتمعات المتماسكة،

ومن جهة ثانية، حياة اللجوء والتشرد والاغتراب باعتبارها جرحا إنسانيا مفتوحا في جسد القرن الإفريقي.

 

لم يكن أدبه عابرا، ولا كلماته صدىً عاطفيا مؤقتا، بل رسالة رصينة تشهد لها المنابر الأكاديمية قبل المنصات الثقافية.

 

ثلاث رسائل دكتوراه في الهند، ورسالتا ماجستير، وتدريس أعماله ضمن برامج اللغة العربية في إيران والهند، فضلًا عن بحث تخرّج لطالبة جامعية في جامعة تركية، كل ذلك ليس إلا دليلًا على متانة المشروع الذي حمله، وعلى العمق المعرفي الذي تأسست عليه تجربته.

 

لقد أصبح، بحق، حافظًا للذاكرة المجتمعية الإنسانية عامةً، ولذاكرة القرن الإفريقي خاصةً؛ إذ لم يكتب عن المكان بوصفه جغرافيا، بل بوصفه هويةً ووجدانًا وسرديةَ بقاء.

 

فما بين مرحلة دراسية وأخرى، ظل هاشم طالب لبق يبهر من حوله بهدوئه وجرأته في آنٍ معًا، في المرحلة الإعدادية بمدرسة أم سقطة المتوسطة بنين، لفت الأنظار بشجاعته الأدبية في تقديم الأمسيات الثقافية، مقرونةً بنبوغٍ أكاديمي جعله موضع اهتمام معلميه، ثم انتقل إلى مدرسة عمر الحاج موسى الثانوية العليا، حيث عُرف بهدوئه، وتعدد صداقاته، وتميزه في تقديم البرامج الثقافية، وابتعاده عن النقاشات السياسية غير الهادفة، متمردًا على ألوان الحزبية الضيقة، منحازًا للفكرة لا للضجيج.

 

وفي المرحلة الجامعية، برزت شخصيته الجادة بوضوح، إذ قدم أول سمنار له عن “الغِنى والفقر” باللغة الإنجليزية، فأقنع الجميع بأن اللغة وسيلة لا غاية، وأن القيمة في الفكرة لا في الوعاء، كانت مادته العلمية أعمق من سنه الدراسي، فحصد احترام أساتذته وزملائه.

 

اجتماعيًا، كان قريبًا من طلاب كليات مختلفة، ومنفتحًا على مديري الأقسام، بجرأته المعروفة وحضوره المتزن.

 

وقد ربطته علاقة تقدير بعدد من أساتذته، منهم بروف علي عبد الله الحاكم، رئيس قسم إدارة الأعمال، وبروف محمد حسن الحافظ، وبروف خالد سر الختم الذي كان يناديه أحيانًا بـ“المتميز” وأحيانًا بـ“المتمرد”.

 

ولعل هذا الوصف الأخير هو الأقرب إلى جوهر شخصيته، فهو تمرد لا يهدم، بل يصحح. تمرد لا يخاصم القيم، بل يعيد ترتيبها، لذلك وصفه بعضهم بـ“المتمرد الحكيم”، لما يملكه من صبرٍ ومثابرة، ولما عُرف عنه من وفاءٍ وشهامةٍ ولطفٍ في التعامل.

 

ليس غريبًا إذن أن يثمر هذا المسار كله مشروعًا أدبيًا ناضجًا، يتناول قضايا التعدّد والتعايش، ويرفع صوت الفقراء والأطفال والأرامل، ويعيد الاعتبار للإنسان في لحظات انكساره.

 

لقد اختار هاشم محمود أن يكون أدبه جسرًا بين الهويات لا خندقًا بينها، وأن يكون شاهدًا على عصره لا متفرجًا عليه.

 

ومن هنا، فإن رصانة الرسالة التي قام عليها أدبه لم تأتِ من فراغ، بل من سيرةٍ مبكرةٍ آمنت بأن المعرفة مسؤولية، وأن الكلمة موقف.

‫شاهد أيضًا‬

صرخة دارفور في قلب باريس: عندما تكسر الحقيقة جدار الصمت الدولي

Ghariba2013@gmail.com لم تكن قاعة اللقاء التضامني في بورتسودان مجرد مساحة لتبادل عبارات ال…