تصنيف الإخوان… أم تصنيف الشعوب؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> «في العلاقات الدولية، ليست كل القرارات مجرد إجراءات قانونية.بعضها يكون رسائل استراتيجية… وبعضها الآخر يكون إعادة تعريف لمشهد كامل»
حين أعلنت الخارجية الأمريكية إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن التصنيفات المرتبطة بالإرهاب، بدا القرار في ظاهره إجراءً أمنياً موجهاً ضد تنظيم سياسي بعينه.
لكن القراءة المتأنية لهذا القرار تكشف أن المسألة تتجاوز كثيراً حدود تنظيم واحد، لتلامس سؤالاً أوسع:
هل نحن أمام تصنيف جماعة…
أم أمام إعادة تصنيف للخريطة السياسية في السودان؟
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولاً: فلسفة التصنيف في النظام الدولي
في الفلسفة السياسية للعلاقات الدولية، لا تُعدّ التصنيفات مجرد توصيفات قانونية.
بل هي جزء مما يسميه بعض منظري السياسة الدولية “سلطة التعريف”.
فالقوة العظمى لا تملك فقط القدرة على فرض العقوبات أو بناء التحالفات،
بل تملك أيضاً القدرة على تعريف من هو الشرعي ومن هو غير الشرعي داخل النظام الدولي.
ولهذا فإن مصطلحات مثل:
– الإرهاب
– الدولة الراعية للإرهاب
– الميليشيات غير الشرعية
لا تعمل فقط كتعريفات قانونية، بل كـأدوات لإعادة ترتيب المجال السياسي داخل الدول.
فبمجرد صدور التصنيف، تتشكل حوله سلسلة من النتائج:
– تضييق سياسي ومالي
– عزلة دبلوماسية محتملة
– إعادة صياغة الرواية الدولية حول الفاعلين المحليين
– وتحديد من يمكن أن يكون شريكاً مقبولاً في المستقبل.
بهذا المعنى يصبح التصنيف أشبه بما يمكن تسميته “هندسة غير مباشرة للمشهد السياسي”.
ففي النظام الدولي الذي يتشكل اليوم، لم تعد القوة تُمارس فقط عبر الجيوش أو العقوبات، بل عبر إعادة تعريف الفاعلين السياسيين داخل الدول.
ولهذا أصبحت التصنيفات أداة ضمن ما يمكن تسميته “إدارة المجال السياسي العالمي”.
ثانياً: التاريخ… وسابقة استخدام التصنيف كأداة استراتيجية
التاريخ المعاصر يقدم لنا نماذج عديدة لاستخدام التصنيف السياسي ضمن صراعات أوسع.
فخلال الحرب الباردة، استخدمت القوى الكبرى توصيفات مثل:
– الحركات الثورية
– التنظيمات الإرهابية
– أو الحركات التحررية
وفقاً لمصالحها الاستراتيجية في لحظات مختلفة.
فما كان يُصنف في مرحلة ما كـ “تمرد”، قد يتحول لاحقاً إلى “حركة سياسية شرعية”،
وما كان يوصف بأنه “حركة مقاومة” قد يعاد تعريفه لاحقاً كتنظيم غير شرعي.
هذا لا يعني أن كل التصنيفات سياسية بالكامل،
لكن التاريخ يوضح بجلاء أن السياق الجيوسياسي يلعب دوراً حاسماً في تشكيلها.
ثالثاً: السودان… واللحظة الجيوسياسية الحرجة
يأتي هذا التصنيف في لحظة بالغة الحساسية في تاريخ السودان.
فالبلاد تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة:
– حرب داخلية غير مسبوقة
– تفكك في بنية الدولة التقليدية
– صراع إقليمي ودولي على النفوذ في البحر الأحمر
– ومحاولات متعددة لإعادة صياغة النظام السياسي السوداني.
في مثل هذه اللحظات، تصبح قرارات التصنيف أكثر من مجرد إجراءات أمنية.
بل تتحول إلى إشارات سياسية حول شكل النظام السياسي الذي قد يُقبل به دولياً في المستقبل.
بعبارة أخرى:
التصنيف لا يقرأ فقط الماضي… بل يلمّح أيضاً إلى تصورات مستقبلية للمشهد السياسي.
ولهذا فإن أي إعادة تعريف للقوى السياسية في السودان لا يمكن فصلها عن الصراع الدولي المتزايد حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
رابعاً: الإخوان في السودان… ظاهرة سياسية أم تنظيم فقط؟
لفهم أبعاد القرار، لا بد من النظر إلى موقع الإخوان المسلمين في التاريخ السياسي السوداني.
فالحركة الإسلامية في السودان ليست مجرد تنظيم سري أو مجموعة محدودة،
بل كانت طوال عقود جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية للدولة.
منذ خمسينيات القرن الماضي، لعبت الحركة الإسلامية أدواراً متعددة:
– في العمل الطلابي
– في النقابات المهنية
– في الحياة الفكرية
– وفي السلطة السياسية لاحقاً.
بل إن جزءاً كبيراً من النخبة الإدارية والبيروقراطية في السودان تشكل عبر مدارس فكرية وتنظيمية قريبة من هذا التيار.
ولهذا فإن التعامل مع الإخوان كـكيان معزول عن المجتمع قد يتجاهل ذلك التشابك التاريخي مع مؤسسات الدولة والمجتمع بكامله.
خامساً: بين السياسة والأمن
التصنيفات المتعلقة بالإرهاب عادة ما تُبنى على اعتبارات أمنية،
لكن في الحالات المعقدة مثل السودان، يتداخل الأمن مع السياسة بصورة كبيرة.
فالقرار لا يؤثر فقط على التنظيم المصنف،
بل يمتد تأثيره إلى:
– شبكات العلاقات السياسية
– المجال الحزبي
– وحتى بعض التوازنات الاجتماعية.
ولهذا فإن أثر القرار قد يظهر لاحقاً في ثلاثة مجالات رئيسية:
١. المجال السياسي:
إعادة تشكيل الخريطة الحزبية ومن يملك الشرعية السياسية.
٢. المجال الإقليمي:
تحديد طبيعة العلاقات مع القوى الإقليمية التي قد تتبنى مواقف مختلفة من الإسلام السياسي.
٣. المجال الدولي:
تحديد القوى التي يمكن أن تحظى بدعم دولي في إعادة بناء الدولة السودانية.
سادساً: السؤال الذي لا يُطرح كثيراً
وسط كل النقاش حول الإخوان، يغيب أحياناً سؤال أعمق:
هل يكفي تصنيف تنظيم ما لحل تعقيدات المشهد السياسي في بلد مثل السودان؟
التجارب الدولية تشير إلى أن المشكلات السياسية العميقة لا تُحل غالباً عبر إقصاء طرف واحد فقط،
بل عبر بناء منظومة سياسية قادرة على إدارة التعدد والتنافس.
فالسودان بلد واسع ومتعدد:
– إثنياً
– سياسياً
– وفكرياً.
وأي محاولة لإعادة بناء الدولة ستحتاج في النهاية إلى معادلة توازن معقدة بين هذه القوى المختلفة.
سابعاً: بين تصنيف الجماعات… وتصنيف الشعوب
وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية في هذه السطور.
فحين تتكرر التصنيفات السياسية في بلد معين،
قد يتحول الأمر تدريجياً من تصنيف تنظيمات إلى تصنيف بيئات سياسية كاملة.
وهذا ما يجعل بعض المجتمعات تشعر أحياناً أن النقاش الدولي حولها لا يدور فقط حول جماعات محددة،
بل حول طبيعة مجتمعها السياسي بأكمله.
هنا تظهر حساسية السؤال:
> هل الهدف هو معالجة ظاهرة سياسية محددة،أم إعادة رسم الحدود المقبولة للعمل السياسي في بلد كامل؟
#أصل_القضية،،،
قد تختلف الآراء حول جماعة الإخوان المسلمين في السودان:
●هناك من يرى فيها تياراً سياسياً له جذور اجتماعية،
●وهناك من يرى أنها تجربة سياسية انتهت ويجب تجاوزها.
لكن #أصل_القضية لا يتوقف عند هذا الجدل.
بل يكمن في سؤال أعمق يتعلق بمستقبل السودان نفسه:
> هل سيُبنى النظام السياسي القادم عبر توافق وطني واسع يحدد السودانيون ملامحه بأنفسهم؟
> أم عبر تعريفات وتصنيفات خارجية تحدد مسبقاً من يحق له أن يكون جزءاً من المستقبل السياسي ومن لا يحق له؟
لأن الدول التي تترك تعريف فضائها السياسي بالكامل للآخرين
قد تجد نفسها في نهاية المطاف…
تعيش داخل تصنيفات لا تشبهها.
وهنا…
تماماً هنا…
تبدأ #أصل_القضية.
منظمة مشاد تبحث مع مستشار مجلس السيادة سبل معالجة الأزمة الإنسانية في السودان وتعزيز وصول المساعدات للمدنيين
أجرى رئيس منظمة مشاد، الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل، اتصالاً هاتفياً مع مستشار رئيس مجلس ال…





