إرهاب السياسة وأزمة الدولة..!
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي

جاء قرار الولايات المتحدة بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية و”لواء البراء بن مالك” كيانًا إرهابيًا خطوة مفاجئة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز مبرراتها القانونية المعلنة. فالقرار، في سياقه الأشمل، يبدو جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني وتقليص حضور الإسلاميين في أي تسوية محتملة لما بعد الحرب.
هذا التطور يضع القيادة السودانية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح البرهان، أمام معادلة معقدة بين التعامل مع الضغوط الخارجية والحفاظ على التوازنات الداخلية. فالاستجابة لمثل هذه الضغوط قد تثير توترات سياسية داخلية، بينما تجاهلها قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية.
من زاوية أخرى، قد يؤدي القرار إلى زيادة الاستقطاب السياسي داخل البلاد، وربما يمنح التيار الإسلامي قدرًا من التعاطف الشعبي، خاصة في ظل حساسية المجتمع السوداني تجاه ما يُنظر إليه كتدخل خارجي في الشؤون الداخلية. وفي الوقت نفسه قد يدفع هذا التصنيف الإسلاميين إلى مراجعة تجربتهم ، وإعادة ترتيب صفوفهم بما يتلاءم مع المتغيرات.
في هذا السياق، يمكن فهم القرار محاولة لإعادة صياغة السردية الدولية حول الحرب السودانية. فالحرب التي بدأت بمواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، سيجري تقديمها في بعض الخطابات الدولية باعتبارها نزاعًا يتداخل فيه البعد الأيديولوجي مع الاعتبارات الأمنية الإقليمية. إدخال عنصر ” الأيديولوجية ” في توصيف الصراع يفتح المجال أمام توسيع أدوات الضغط الدولية، سواء عبر العقوبات المالية أو القيود السياسية، كما يمنح الفاعلين الدوليين مساحة للتأثير في شكل التسوية السياسية المتوقعة.
ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن النظر إلى التصنيف باعتباره خطوة في إطار إعادة تعريف الفاعلين في الصراع السوداني. فحين يُقدَّم تيار سياسي أو فكري بوصفه طرفًا مسلحًا في النزاع، يصبح الطريق ممهّدًا لتقييد مشاركته في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. وبهذا المعنى يتحول القرار إلى أداة من أدوات إعادة هندسة التوازنات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.
غير أن السودان، بتعقيد تجربته السياسية والاجتماعية، لا يمكن اختزاله في توصيف واحد أو قرار خارجي واحد. فالحركة الإسلامية في السودان ليست مجرد تنظيم سياسي، بل تيار تشكل عبر عقود طويلة داخل المجتمع والدولة، وشهد تحولات تنظيمية وفكرية متعددة. كما أن التجربة السياسية السودانية عرفت تعددية واسعة ضمت الإسلاميين والقوميين واليساريين وغيرهم. لذلك فإن اختزال المشهد في إطار تنظيم واحد يسيطر على الدولة أو المجتمع يمثل تبسيطًا لا يعكس الواقع التاريخي والسياسي للبلاد.
الأمر الأكثر إثارة للقلق في القرار يتمثل في الغموض الذي يحيط بتحديد الكيان المستهدف. فهل المقصود الحركة الإسلامية بصيغتها التاريخية، أم تيارات سياسية خرجت منها عبر السنوات، أم تشكيلات مسلحة ظهرت في سياق الحرب الأخيرة؟ هذا الغموض يفتح الباب أمام إشكالات سياسية وقانونية، خصوصًا أن الحياة السياسية السودانية عرفت عبر تاريخها مرونة تنظيمية متحركة، حيث تغيرت الأسماء والواجهات الحزبية بينما بقيت التيارات الفكرية والاجتماعية حاضرة في الشارع السياسي.
وفي خلفية القرار يبرز البعد الإقليمي، لا سيما الإشارة إلى ارتباطات بالحرس الثوري الإيراني. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي على البحر الأحمر وقربه من القرن الإفريقي، ظل دائمًا جزءًا من معادلات التوازن الإقليمي بين الشرق الأوسط وأفريقيا. ومن ثم فإن أي ربط بين قوى سودانية وإيران يرفع مستوى الحساسية الدولية ويعقّد مسارات السياسة الخارجية، رغم أن البنية الفكرية السائدة في المجتمع السوداني تنتمي تقليديًا إلى المدرسة السنية المحافظة.
غير أن أخطر ما في هذا التصنيف قد لا يكون أثره الخارجي بقدر ما هو انعكاسه على التوازن الداخلي وفرص السلام. فالتجربة التاريخية للحروب السودانية تشير إلى أن التسويات السياسية المستقرة تنشأ حين يشعر كل طرف بأن له مكانًا في المستقبل السياسي. أما حين يتحول الصراع إلى معادلة إقصاء، فإن فرص التسوية تصبح أكثر هشاشة، ولا تنتج استقرارًا.
وهنا يبرز سؤال مهم يتعلق ببنية الدولة: ماذا لو كان في السودان اليوم مجلس تشريعي يمارس صلاحياته في الرقابة وإدارة قضايا الحرب والسلم؟ هل كانت الضغوط الخارجية ستجد التأثير ذاته على القرار الوطني؟
إن غياب المؤسسات الدستورية الفاعلة يترك الدولة أكثر عرضة للضغط والابتزاز السياسي. فالدول التي تمتلك مؤسسات تشريعية قوية تستطيع أن تفاوض العالم من موقع أكثر تماسكًا، بينما تصبح الدول التي تُدار في ظل الفراغ المؤسسي أكثر هشاشة أمام الضغوط الدولية. وقد بدأ ذلك واضحًا بالأمس في بيان الخارجية السودانية المرتبك بشأن القرار.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا القرار يأتي أيضًا في سياق ما يمكن تسميته بمعركة السرديات في السياسة الدولية. فالحروب الحديثة لا تُخاض في ميادين القتال فقط، بل أيضًا في فضاء الروايات السياسية والإعلامية التي تشكل الصورة الدولية للصراع وتحدد مواقف المجتمع الدولي منه.
اللافت أنه حتى اللحظة لم تصدر الحركة الإسلامية أي رد رسمي على القرار الأمريكي، ويعكس هذا الصمت ربما استراتيجية محسوبة لقراءة التوازنات السياسية المحلية والدولية. تهدف الحركة من خلاله إلى إعادة ترتيب صفوفها، وتقييم تحالفاتها، وضبط أولوياتها، مع تجنب أي خطوة علنية قد تُضعف موقفها في تسوية مستقبلية أو تمنح خصومها فرصة لإقصائها. لذلك فالصمت هنا، بحسب التحليل السياسي، ليس غيابًا، بل أداة دقيقة لإدارة الضغوط الداخلية والخارجية والتكيف مع واقع سياسي معقد.
وعليه يبقى السؤال الأهم: هل يسهم هذا القرار في تقريب السودان من نهاية الحرب، أم أنه سيضيف عقدة جديدة إلى طريق السلام؟ خاصة وأن المزاج العام في السودان ظل يرفض حضور المليشيا وداعميها في مستقبل الحياة السياسية أو في مسارات الوساطة.
الإجابة بالتأكيد ليست سهلة، لأن مستقبل البلاد لا يتوقف على قرار خارجي بيد الولايات المتحدة الأمريكية، بل على شبكة معقدة من التفاعلات الداخلية والإقليمية والدولية. لكن التجربة التاريخية تعلمنا أن الدول التي خرجت من الحروب لم تنهض بقرارات خارجية مفروضة، بل بقدرة شعوبها على إعادة بناء عقدها الاجتماعي وإحياء مؤسساتها الدستورية.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في تصنيف خارجي بقدر ما يتمثل في كيفية بناء دولة قادرة على حماية قرارها الوطني. فالمستقبل لن يُصنع في إدانات العواصم الكبرى مهما بلغت قوتها، بل في قدرة السودانيين على تحويل محنة الحرب إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق حسابات المصالح الضيقة، ويعيد للسياسة السودانية استقلاليتها في عالم يقوم على الابتزاز وتتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 11 مارس 2026م Shglawi55@gmail.com
وداعاً شيخ العرب “شنيبو.” .!!
■ يمضي الكرامُ تباعاً، وتطوي الأرض في جوفها معالم النبل والشهامة، وتفقد الخرائط الاجتماعي…





