‫الرئيسية‬ مقالات فهم الحرب يعني إحلال السلام – والسلام فعل، لا قول فقط
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

فهم الحرب يعني إحلال السلام – والسلام فعل، لا قول فقط

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام الحرب والسلام_ (5_10)  

إذا كانت الحرب بدأت يوم ماتت الكلمة الطيبة في قلوبنا، فالسلام لن يرجع بالكلمة وحدها. _الكلمة الطيبة بذرة. والفعل الطيب شجرة._

 

كثيرون يقولون “السلام عليكم”، وقلوبهم تحمل حربًا. كثيرون يكتبون عن المحبة، وأيديهم لا تمتد بخير. الحرب مرض، والكلمة كانت تشخيصه. أما دواؤه فـ “عمل”.

 

_فهم الحرب يعني أن نعرف: السلاح الأقوى ليس في المخازن. السلاح الأقوى هو معك وبيدك حين تطعم جائعًا وتأوي نازحًا وتداوي مريضا ._

 

*والإنفاق في الحرب ليس اختبار المال وحده، بل اختبار النفس*: قال تعالى: *”الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”* [آل عمران: 134].

 

الحرب هي “الضراء”. والمنافق قد ينفق في السراء ويبخل في الضراء. أما المحسن فينفق ماله رغم الخوف، ويكظم غيظه رغم القهر، ويعفو عن الناس رغم الأذى.

 

وهنا يبين الحق أن الأمر بيدنا لا بيد غيرنا: ليس الإنفاق فحسب، بل _الصبر الجميل بالسيطرة على النفس_ حتى يليه العفو. فمن ملك نفسه وقت الغضب ،وعندھا يملك قرار السلام والارادة . ومن أطلق غضبه، أشعل الحرب من جديد.

 

وقد وصفھم الله ب _”المحسنين”_ لأن إحسانھم لغيرھم حقيقته إحسان لأنفسھم . من أنفق، طهر نفسه من الشح. ومن كظم، طهر قلبه من الغل. ومن عفا، طهر روحه من الحقد. والعكس صحيح: من بخل، ومن انتقم، ومن حقد، فإنما يسيء لنفسه قبل غيره. فمفتاح السلام في يدك أنت، لا في يد عدوك.

 

*والإطعام في الحرب هو قمة الفعل الطيب*: قال تعالى: *”أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ”* [البلد: 14-16]. “المسغبة” هي المجاعة. ونحن في يوم مسغبة. فمن أطعم فيه، فك رقبته من النار قبل أن يفك جوع أخيه. اللقمة في الحرب أثقل في الميزان من قنطار ذهب في السلم.

 

فإذا نظرنا لسايكولوجية الإنسان نجد أن الدماغ يصدق الفعل لا الشعار.

 

فالعقل البشري مصمم ليشك في الكلام ويؤمن بالتجربة. فإن ألف خطبة عن التسامح لا تساوي موقفًا واحدًا تعفو فيه عن من ظلمك.

 

لأن قانون الخلايا العصبية في دماغ الإنسان فيه “خلايا مرآة”. حين ترى شخصًا يبتسم لك، دماغك يبتسم تلقائيًا. وحين تراه يمد يده ليساعد، دماغك يستعد للمساعدة. الحرب نشرت “مرايا الخوف”: كل واحد يرى الآخر يهرب، فيجري. يرى الآخر يسلح، فيتسلح. السلام يحتاج “مرايا الشجاعة”: واحد يبدأ، يفتح دكانه، ينظف شارعه، يسلم على جاره. فيقلده الثاني. الفعل عدوى، والخير وباء حميد.

 

فيختفي _أثر العجز المكتسب_: حين تُقصف وتُنهب وتُهجر، يتعلم دماغك “أنا عاجز، لا شيء بيدي”. فيجلس ينتظر “المنقذ”. هذا هو قبر الشعوب. السلام يبدأ بكسر هذا القيد. أن تقوم تكنس أمام بيتك، ولو الدنيا حرب. أن تزرع شتلة، ولو القذائف فوقك. الفعل الصغير يقول لدماغك: “أنا لست عاجزًا”. ومن استعاد الإحساس بالقدرة، استعاد وطنه.

 

باستعادة _الذاكرة الجسدية_ فالجسد يتذكر. من ذاق الجوع، لا ينسى. ومن ذاق الظلم، لا ينسى. الكلام لا يمحو الذاكرة. لكن الفعل يمحوها. أن تطعم من جوّعته الحرب، تمحو من جسده ذاكرة الجوع. أن تنصف من ظُلم، تمحو من جسده ذاكرة القهر. السلام الحقيقي هو “محو ذاكرة الألم” بفعل جديد.

 

فلنكن كالنمل يبني، لا كالجراد يفني الزرع.

 

راقب الطبيعة تعلمك سياسة.

 

فمنطق النمل ليس أن تخطب في النمل عن “الوحدة الوطنية”. تحمل حبة قمح أكبر منها وتدخل الجحر. لو وقفت، وقف الجميع. لو تحركت، تحركوا. الحرب جراد: يأكل ولا يبني. السلام نمل: يبني ولا يخطب. سوداننا يحتاج مليون نملة، لا مليون محلل.

 

وهناك غريزة الأم الفطرية التي لا تنتظر “مؤتمر مانحين” لتطعم أولادها. تطبخ بالموجود. تقسم الرغيف على أربعة. تنام جائعة وتبتسم. هذا هو “اقتصاد السلام”. يبدأ من “حلة البيت”. من “اللقمة المقسومة”. من “التكية” التي لا تنتظر إذنًا من أحد. من يريد أن يهزم الحرب، فليطعم جائعًا اليوم ليجني سعادة الدارين .

 

حتى الطيور التي قد لا تعيش إلا موسمًا واحدًا تعيد بناء عشها عندما تهدأ الرياح التي اقتلعت عشها من فوق الشجرة وكسرت بيضها. لا تستسلم. تعيد بناء العش وتبيض مرة أخرى. تلك هي الفطرة السليمة في كل مخلوق. ولكن عند الإنسان يطغى عليها اليأس والحزن والبغضاء فتطفئ فيه شمعة الحياة ، بينما فطرة الطائر في نفس اليوم يبدأ يجمع قشة جديدة. يحلق ، يجلب ، يبني،يبدأ في إعادة الإعمار لانه يدرك أن البيض سيأتي ، والحياة لابد ان تستمر. وطننا ھو عشنا الذي كسره إعصار الحرب . السلام يبدأ حين ندع النواح عند الركام، ونمشي لنجمع “قشة”. تفتح دكانك قشة. ترجع ولدك المدرسة قشة. تزرع حواشتك قشة. من قشة لقشة يرجع العش ويستعيد الوطن عافيته ويعم السلام.

 

وقد بين ذلك الإسلام فهو دين عمل، لا جدل.

 

فما جاء الإسلام ليكون “مكتبة” إنما ليكون “ورشة عمل”.

 

فثابت الإيمان مقرون بالعمل: _”الذين آمنوا وعملوا الصالحات”_:- _الدليل_: في القرآن، لا ينفك الإيمان عن العمل الصالح. “آمنوا وعملوا” تكررت أكثر من 50 مرة.

– _الحقيقة_: الحرب كشفت أن عندنا “إيمان لسان” بلا “عمل أركان”. نصلي ونصوم، لكن لا نغيث ملهوفًا، لا نكفل يتيمًا، لا نصلح بين متخاصمين. هذا إيمان أعرج. السلام يحتاج “إيمان كامل”: قلب يخاف الله، ويد تعمر الأرض. الله لا يقبل “السلام عليكم” من لسان، ويدك تحمل خنجرًا.

 

فأحب الناس إلى الله: _”أنفعهم للناس”_:

– _الدليل_: “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”.

– _الحقيقة_: ما قال “أكثرهم كلامًا عن الناس”. قال “أنفعهم”. السياسي الذي لا ينفع، والحزبي الذي لا ينفع، والشيخ الذي لا ينفع، كلهم أصفار في ميزان الله. والنازح الذي فتح بيته لنازح آخر، والشاب الذي يحرس حيّه، والطبيب الذي يداوي مجانًا، هؤلاء هم “أحب الناس إلى الله”. هم جيش السلام الحقيقي.

 

حتى _إماطة الأذى عن الطريق صدقة”_

والدليل :أدنى شعب الإيمان “إماطة الأذى عن الطريق”.

ولذلك قبل أن تحرر الخرطوم، أزل “حجر الكراهية” من طريق قلبك. وقبل أن تبني القصر، أزل “أذى الخوف” من طريق حارتك. السلام يبدأ بـ “إماطة”. إماطة الشوك من الشارع، وإماطة الغل من الصدور، وإماطة اليأس من العيون. من عجز عن إماطة حجر، كيف يميط حربًا؟

 

فالحرب مرضٌ عرضي.

ودواؤها الأول “الكلمة الطيبة”.

وغذاؤها “الفعل الطيب”.

 

السلام لا يسكن الفنادق.

السلام يسكن الأيادي المتسخة بالعمل لا الملطخة بدماء الأبرياء.

فالسلام يسكن “التكية” التي تطبخ، و”النفير” الذي يبني، و”الفزع” الذي ينقذ.

ويسكن “الإنفاق” في الضراء، و”كظم الغيظ” في القهر، و”العفو” في الأذى، والإطعام في يوم المسغبة.

 

والأصل أن السلام يُبنى، طوبة طوبة. وقشة قشة كما علمنا الطائر.

والطارئ أن نظنه يأتي “توقيعًا” في ورقة، ونحن جلوس.

 

يتبع.

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين، وللوطني سلام.

الجمعة/ 1/مايو /2026

‫شاهد أيضًا‬

السوداني… حين يقبل الآخر وحين يضيق به

ليست المعضلة في السودان أن الناس لا يتعايشون… بل أن هذا التعايش لا يجد ما يحميه حين يُختبر…