السوداني… حين يقبل الآخر وحين يضيق به
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست المعضلة في السودان أن الناس لا يتعايشون… بل أن هذا التعايش لا يجد ما يحميه حين يُختبر.
في السودان…
قد يجلس شخصان من جهتين مختلفتين على مائدة واحدة، يتبادلان الطعام والضحك والود،
دون أن يسأل أحدهما الآخر: من أنت؟
لكن…
في سياقٍ آخر، قد يتحول نفس السؤال إلى مفتاحٍ للتوجس،وربما إلى مدخلٍ للصراع.
هذه ليست مفارقة عابرة…بل هي أحد أعمق مفاتيح فهم المجتمع السوداني.
ومن هنا نبدأ #أصل_القضية
أولاً: القبول بوصفه بنية… لا سلوكًا طارئًا
السوداني لا “يتعلم” قبول الآخر في كل مرة، بل يرثه ضمن منظومة ثقافية عميقة. ففي الحياة اليومية:
• في الأسواق
• في الأحياء
• في المناسبات
يتجلى نمط من التعايش لا يحتاج إلى تنظير:
● الضيف يُكرم دون سؤال
● الجار يُحترم دون تحقق من هويته
● الغريب يُستوعب قبل أن يُصنَّف
هذا ليس مثالية… بل نتاج تاريخ طويل من:
● الأعراف التي تُصلح ولا تُقصي
● البُنى الاجتماعية التي تدمج ولا تعزل
● ثقافة ترى في الآخر امتدادًا لا تهديدًا
إنه ما يمكن تسميته:
> التسامح الوظيفي
حيث يصبح قبول الآخر ضرورة للحياة… لا مجرد فضيلة.
ثانياً: مفارقة دقيقة — الغريب مرحّب به… والقريب مُرتاب منه
في السودان تظهر مفارقة أكثر عمقًا مما يبدو:
● السوداني قد يقبل الآخر غير السوداني بسلاسة لافتة،بل ويمنحه — إن جاز التعبير — ما يُشبه معاملة “القريب”:
• كرمًا زائدًا
• وترحيبًا مفتوحًا
• تسامحًا يتجاوز الحدود الأولية للمعرفة.
الغريب هنا… لا يحمل تاريخًا مُسبقًا،ولا يُستدعى معه إرثٌ من الصراعات،فيُستقبل بصفحةٍ بيضاء.
لكن…
● حين يكون “الآخر” سودانيًا،
تتغير المعادلة بهدوءٍ عميق:
• يُستدعى الانتماء (جهة، قبيلة، منطقة)
• تُستحضر ذاكرة ضمنية من التنافس أو التوتر
• يظهر نوع من التوجس الصامت… حتى مع القبول الظاهري
وهكذا… نكون أمام حالة مركبة:
> قبول وظيفي للآخر السوداني… مصحوب بحذرٍ غير مُعلن ، بينما يُمنح غير السوداني قبولًا أكثر تحررًا من هذه القيود.
ثالثاً: حين يتغير السياق… يتغير السلوك
هذا القبول — بكل مستوياته — ليس مطلقًا، ولا يعمل في كل الظروف. فحين ينتقل السوداني من فضاءه الاجتماعي اليومي
إلى فضاء الصراع — السياسي، أو الاقتصادي، أو الهوياتي —
يحدث تحول دقيق:
• من التلقائية إلى الحذر
• من الانفتاح إلى التصنيف
• من “نحن” الواسعة… إلى “نحن” الضيقة
وهنا… يُعاد تعريف الآخر، لا كجار أو شريك في الحياة، بل كمنافس، أو تهديد، أو عبء.
رابعاً: مرآة الواقع — خطاب ما بعد الحرب
إذا أردنا أن نرى هذه المفارقة بوضوح…
فلا نحتاج إلى نظريات بعيدة،
بل إلى تأمل ما جرى في الخطاب الاجتماعي بعد حرب أبريل 2023م،
وما تلاها من تحولات في مدن مثل الخرطوم والجزيرة وسنار.
هناك…
لم يظهر الصراع فقط في الميدان،
بل تسلل إلى اللغة اليومية،
إلى توصيف الناس لبعضهم البعض،
إلى الأحكام السريعة التي تُطلق بلا تحقق.
ظهرت عبارات من قبيل:
○ الما طلع أكيد عنده غرض
○ لو ما متعاون… كان مرق
○دا عنده شهادة بحث… ودا ساكن إيجار
هذه ليست مجرد جُمل عابرة… بل مؤشرات عميقة على تحوّل في بنية الإدراك:
● من إنسان يُفهم عبر ظرفه… إلى إنسان يُدان عبر موقعه
● من التعاطف مع العجز… إلى الشك في النوايا
● من مجتمع يبرر للآخر… إلى مجتمع يفسره بأسوأ احتمال
وهكذا… يتحول “ السوداني القريب” — ابن الحي، أو المدينة، أو الوطن — إلى موضوع تصنيف، وربما اتهام ضمني.
بينما يخرج آخرون من دائرة الاتهام، رغم أن سلوكهم قد أسهم في تعقيد الواقع وما زال.
خامسا: مفارقة السودان — مجتمع يتعايش… ولا يتفق
نحن أمام ظاهرة مركبة:
● في الإجتماعيات اليومية:
السوداني متسامح، مرن، قابل للآخر — بل وسخي في استقباله، خاصة إن كان غريبًا
● في المجال العام:
قد يصبح حادًا، إقصائيًا، سريع الاصطفاف — خاصة تجاه “آخر” سوداني يُشاركه المجال والموارد
هذه ليست ازدواجية أخلاقية،
بل نتيجة لاختلاف “الإطار” الذي يعمل داخله الفرد.
في غياب إطار جامع قوي، تُترك القيم الاجتماعية وحدها…لتواجه ضغوط السياسة والاقتصاد والصراع ، وغالبًا… لا تصمد.
سادسا: كيف تآكلت بنية القبول؟
التحولات التي شهدها السودان لم تُلغِ القبول… بل جعلته هشًا ومشروطًا.
• حين تضعف الدولة… تتقوى الهويات الصغيرة
• حين يشتد الصراع على الموارد… يُعاد تعريف الآخر كخصم
• حين تتراكم الذاكرة السلبية بين المكونات… يُستدعى الحذر بدل الثقة
ومع صعود الفضاءات الرقمية،
> لم يعد الآخر شخصًا نلتقيه… بل صورة ذهنية تُبنى بسرعة، وتُدان بسرعة أكبر.
هكذا…
يتحول القبول من
• قاعدة… إلى استثناء،
• ومن قيمة مستقرة… إلى موقفٍ ظرفي.
سابعا: قراءة الآخر وفق “الجسر والمورد”
هذا التوتر لا يُفهم إلا إذا أدركنا أن المجتمع السوداني يعيش بين مستويين:
١. مستوى عميق (المورد):
يحمل إرث التعايش، والكرم، والقدرة على استيعاب الآخر — خصوصًا حين لا يكون جزءًا من صراع داخلي
٢. مستوى سطحي مضطرب (الواقع الراهن):
تحكمه السياسة، والصراع، وإعادة تعريف “القريب” و”البعيد” وفق المصالح والاصطفافات
> المشكلة ليست في غياب القيم…بل في انقطاع الجسر بين هذا المورد العميق، والواقع الذي يحتاج أن يُبنى عليه.
ثامنا: السؤال الذي يجب أن نطرحه
● ليس:
> هل السوداني يقبل الآخر؟
● بل:
> لماذا يقبل الغريب بسهولة… ويتوجس من القريب أحيانًا؟ ومتى يتحول القبول إلى حذر… والحذر إلى رفض؟
لأن الإجابة هنا…
لا تكشف فقط عن طبيعة المجتمع،
بل عن أزمته العميقة.
#أصل_القضية،،،
السودان لا يعاني من نقص في القيم، بل من اختلال في اتجاهاتها.
فالقبول موجود… لكنه يتجه أحيانًا نحو الخارج بسلاسة، ويتعثر في الداخل تحت وطأة التاريخ والصراع والذاكرة.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
ليس كيف نُعلّم الناس قبول الآخر،
بل كيف نُعيد تعريف “الآخر” داخلنا…
حتى لا يصبح الأقرب… هو الأصعب قبولًا.
فهم الحرب يعني إحلال السلام – والسلام فعل، لا قول فقط
إذا كانت الحرب بدأت يوم ماتت الكلمة الطيبة في قلوبنا، فالسلام لن يرجع بالكلمة وحدها. _الكل…




