‫الرئيسية‬ مقالات أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار “الحلقة السادسة عشر”  ​الخلاص المرّ
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار “الحلقة السادسة عشر”  ​الخلاص المرّ

رمضان محجوب

​■ كانت جدران المعتقل بؤساً يتدلى من سقف الذاكرة، وضيقاً يطبق على الأنفاس في تلك العشية الكئيبة من مغيب اليوم الأول لعيد الأضحى الأول للحرب، حيث توارت شمس العيد خلف سحب الخوف، ولم يبقَ في جوف الزنزانة سوى ثلاثة أنفس من أصل ستة عشر؛ كنت أنا وصديقي الصدوق محمد عبد الله يعقوب، وثالثنا رجلٌ وقور من أبناء دارفور الحبيبة، وهو تاجرٌ ساقته الأقدار ليقع في فخ الحرب بضواحي الخرطوم طلباً للأمن المنشود.

​■ استأجر ذلك الرجل المكافح منزلاً بحي “الصفوة” وافتتح بقالة ليعيش من كد يده وعرق جبينه، هرباً من الموت الذي يطارد الأبرياء في أريافنا البعيدة، لكنه وجد نفسه في مواجهة شرع الغاب الذي لا يفرق بين نازح وصحفي ومحارب قديم، حيث اعتُقل لمجرد جلوسه أمام دكانه في لحظة صمتٍ عابرة، ليواجه تهمة “التخابر” الفضفاضة التي باتت سيفاً مسلطاً على رقاب كل من لا حول له ولا قوة في زمن الفوضى العارمة.

​■ أدينا صلاة المغرب في جماعة، كانت تلك الركعات الثلاث ملاذنا الأخير ونحن نلوذ بخالقنا من بطش المخلوق، وجلسنا نسبح ونذكر الله في خشوع تكسره بين الحين والآخر أصوات الطيران الحربي وهو يحلق في سماء المنطقة، يمزق سكون الليل بدويه المرعب، ويعيد تذكيرنا بأننا في قلب الجحيم، وبأن الأرض من تحتنا تمور بفتنةٍ لا تبقي ولا تذر، بينما القلوب واجفة والأبصار شاخصة نحو المجهول الذي يتربص بنا خلف القضبان.

​■ في تلك الأثناء، كانت هناك أنفسٌ أبية خارج الأسوار لا تعرف الكلل، تقودها مروءة الشاب العصامي المهذب دكتور أحمد علي شريف، وصنوه ابني عبد الخالق، يبذلون الغالي والنفيس لفك وثاقنا؛ أحمد الذي ورث من والده الرفيق علي شريف دماثة الخلق وورع النفس، كان يتحرك في كل الاتجاهات، يسابق الزمن ويجري الاتصالات التي بدأت منذ لحظة اعتقالنا لتقريب لحظة الخلاص، في وفاءٍ نادرٍ يثبت أن معادن الرجال تلمع في دجى الأزمات.

​■ أما ابني “عبد الخالق”، فكان في تلك الساعات العصيبة روحاً هائمة لم تذق طعم الراحة ولا عرف الغمضُ إلى جفونه سبيلاً، فمنذ لحظة اعتقالي والأرض تضيق به بما رحبت؛ لم يهنأ بطعامٍ ولم يهدأ له بال، ظل يصارع الوقت والمخاوف، يطرق الأبواب الموصدة ويتشبث بخيوط الأمل الواهية، وكأنه يحمل على عاتقه ثقل الجبال ليؤمن لي مخرجاً من ظلمات ذلك المعتقل الكئيب، ببرٍّ يغسل عناء السنين.

​■ لم يألُ الفتيان جهداً في البحث عن ثغرة في جدار التعنت، واستعانا بشباب المنطقة ممن يعرفون تاريخنا المهني، حتى قيض الله لهما تيسيراً بعد مشقة بالغة، حيث تمكنا من الوصول إلى وسيط كانت تربطه علاقة عمل سابقة بأحد أفراد الشرطة القريبين من مراكز القرار لدى المليشيا، ليحاول إقناعهم بضرورة إطلاق سراحي، متعللاً بظرفي الصحي الحرج ومعاناتي المستمرة مع ارتفاع ضغط الدم الذي لا يرحم في هذا الهجير.

​■ كانت الممانعة المغلظة هي سيدة الموقف في بادئ الأمر، خاصة من جانب استخبارات المليشيا التي كانت تنظر إليّ وإلى العزيز محمد عبد الله بعين الريبة والشك، وتصنفنا ضمن دائرة المشتبه في تزويد الطيران الحربي بالإحداثيات، زاعمين أن من أُطلق سراحهم ثبتت براءتهم، أما نحن فبقينا في نظرهم صيداً ثميناً أو خطراً محتملاً يجب التحفظ عليه حتى إشعار آخر في ذلك المعتقل الذي يفتقر لأدنى مقومات الآدمية.

​■ بمرور الوقت، ومع اشتداد تحليق الطيران في السماء، بدأت الهواجس تتسلل إلى نفوس السجانين خشية قصف مقر الشرطة الذي يتخذونه معتقلاً، وهنا عاود أحمد وعبد الخالق المحاولة الأخيرة بذكاء وإصرار، مع تعهد صريح من مرافقهما بإحضاري متى ما طُلب ذلك، ليرضخ القادة أخيراً تحت وطأة الخوف والضغط، ويصدر الأمر الذي طال انتظاره بإطلاق سراحي المشروط من تلك الزنزانة الضيقة التي شهدت وجعنا الصامت.

​■ كانت الساعة قد جاوزت الثامنة مساءً حين فرغنا من صلاة العشاء جماعة، وبدأنا نتخفف من ملابسنا استعداداً للنوم هرباً من حرارة الجو القاتلة، حيث افترشنا بلاط الزنزانة الخارجية الذي اتقد ناراً من شدة السخونة؛ سألت محمداً الذي يغالبه مرض السكري إن كان قد تناول دواءه، فباغتني بسؤال مماثل عن دواء الضغط الخاص بي، فضحكنا سوياً على تلك المفارقة المريرة؛ جسدان ينهشهما المرض وقيد يكبلهما الظلم الجائر.

​■ فجأة، شق سكون المكان صوت أجش ينادي من الباب الخارجي بحدة واستعلاء: “رمضان محجوب! رمضان محجوب!”، التفت نحوي محمد عبد الله وأنا مستلقٍ على ظهري وقال بلهجة يملؤها الأمل واليقين: “قم يا شاب، يبدو أنه الإفراج”، لكنني أجبته بتثاقل وعدم تصديق من هول ما رأيت: “لا أعتقد، ليس بعد”، قمت وجررت خطاي نحو الباب وأنا أظنهم أتوا لنا بالعلاجات أو ربما وجبة الغداء التي تأخرت لساعات طوال.

​■ من بين فتحات الباب الحديدي، لمحت عبد الخالق وأحمد يقفان بعيداً كمنارة في عرض البحر، بينما السجان المليشي يسألني بغلظة وعيون تقدح شراً: “أنت رمضان؟”، فأجبته بالإيجاب، ليرد بحدة: “تعال مارق”، سألته إلى أين؟ فقال: “إفراج مشروط”، حينها التفت خلفي بعفوية وقلت لمحمد عبد الله: “هيا بنا”، لكن السجان زجرني بصوت كالرعد يملأ الأرجاء: “أنت وحدك!”، لتتوقف الأرض عن الدوران في نظري.

​■ في تلك اللحظة، مر شريط ذكريات محمد النبيلة أمام عيني؛ رفقته التي نعمت بها منذ سكننا “الصفوة”، ومشاويرنا المشتركة نحو الخرطوم، ورحلاتنا إلى السوق الشعبي بأم درمان، حيث كان يحظى بتقديرٍ خاص لاسيما لدى فنيي صيانة الجوالات هناك الذين كانوا يطلقون عليه لقب “البروف”؛ وهي درجة يستحقها بجدارة؛ تذكرت مشاويرنا التي كنا نطلق عليها “مشاوير التعب والأكل الكعب”، فكيف لي أن أتركه خلفي وحيداً في هذا الجحيم المستعر الذي لا يرحم غريباً ولا قريباً؟

​■ قلت للوسيط الذي اجتهد في إطلاق سراحي بلهجة حاسمة: “شكراً لك، لكن أخي محمد لا أستطيع الخروج دونه أبداً”، وجاءني صوت محمد من خلفي، حنوناً ومضحياً كعادته في أحلك الظروف: “اخرج أنت وابحث عن علاجك، واتركني أنا هنا”، التفت نحوه ورفضي يسبق كلماتي: “لا والله، لن أفعل ذلك دون أن تكون معي”، كانت الحرية في نظري منقوصة ومرة إن لم يتنفسها رفيقي معي في تلك اللحظات التاريخية.

​■ لم يجد الوسيط أمام هذا العناد المبرر مفرًا من مراجعة استخبارات المليشيا مرة أخرى، محاولاً شمول محمد عبد الله بقرار إطلاق السراح والتعهد، وبعد انتظار رتيب وممل قتلنا فيه القلق، جاء الأمر أخيراً بإطلاق سراحنا سوياً تحت تعهد الوسيط، حينها احتضنت محمداً، حامداً الله الذي هيأ لنا من أمرنا يسراً، وفتح لنا أبواب الخروج من تلك المحنة التي صهرت أرواحنا ووحدت مصائرنا في ذلك اليوم.

​■ هممنا بالمغادرة بخطى سريعة، لكن صوت فرد الاستخبارات استوقفنا من خلفنا ليعلن صدور قرار إطلاق سراح “ثالثنا” أيضاً، ذلك التاجر الوديع والتقي من أبناء دارفور؛ ملت نحو محمد وقلت له بصوت خفيض يملؤه القلق: “هذا الرجل المسكين إن تركناه يذهب إلى بيته وحده، سيتم اعتقاله مجدداً أو تصفيته من قبل الأوباش السكارى”، فاستحسن محمد الفكرة وقررنا حمايته مهما كلفنا ذلك من عناء.

​■ بدأت رحلة العودة من المعتقل سيراً على الأقدام، ولم تكن طريقاً نحو البيت بقدر ما كانت عبوراً فوق جراح المدينة النازفة؛ كانت طرقات “الصفوة” خانقة، تزكم الأنوف فيها رائحة الدماء التي أُريقت جراء “القصف” الذي حاق بالمليشيا ليلة العيد، دماءٌ لم تجف بعد، امتزجت بنزيف جرحاهم الهاربين من جحيم العمليات المستعرة في الخرطوم وأم درمان، والذين قذفت بهم أتون المعارك ليتواروا في أزقة الحي، حاملين معهم هزائمهم وانكساراتهم المذلة.

​■ اختلطت تلك الرائحة الجنائزية لدماء الجرحى الهاربين وزفرات “الأوباش” من عناصر المليشيا، وهم يترنحون بسكرهم وعربدتهم في الطرقات، ليفوح منهم نتنُ النفوس التي تجردت من آدميتها تماماً؛ كنا نسير والقلوب في الحناجر، والعيون تترقب “بيوت الأوباش” التي تحولت إلى مأوى للمخمورين والناجين من القصف في جبهات القتال، حيث غصت الشوارع برائحة الموت والنتانة التي تزكم الأنوف وتضيق بها الصدور وتخنُق الأنفاس.

​■ سلكنا الدروب الضيقة ونحن نحرس رفيقنا الثالث بصدورنا، بينما عبد الخالق وأحمد يحيطون بنا كدروعٍ بشرية تحمينا من غدر تلك الطرقات الموحشة التي استباحها المخمورون؛ كانت الصفوة التي نعرفها قد تلاشت، وحل مكانها مسرحٌ عبثيٌ يضج بروائح الموت الممزوجة برائحة الخمر الرخيصة التي تملأ الأفق، سرنا وسط هذا الزحام الخانق من الدماء والنتانة، وكان صوت الطيران الحربي لا يزال يطن في السماء كأنه يلاحق فلولهم الهاربة.

​■ رأيت في عيني “عبد الخالق” وهو يمشي بجواري قوةً لم أعهدها، كان يحرس خطاي وكأنه يطرد الأشباح والسكارى عن طريقي؛ وصلنا أخيراً إلى مشارف بيوتنا بعد مسيرةٍ بدت وكأنها دهرٌ كامل، وضعنا رفيقنا الدارفوري عند بابه، وتعاهدنا أن تظل هذه الليلة محفورة في وجداننا؛ ليلةٌ خرجنا فيها من قيد المعتقل لنواجه قيود المدينة المذبوحة، ولنرى كيف استباح الهاربون من الموت طهر البيوت وحولوا الطرقات إلى ممرات للنتن والدم.

​نواصل

‫شاهد أيضًا‬

واشنطن.. تصعيد في ملف السودان

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في تصعيد ملف السودان إلى طاولة حوار أكثر فاعلية، ل…