انضمام الحركة الشعبية جناح الفريق أحمد إدريس إلى العدل والمساواة.. قراءة في خفايا التوقيت ورسائل المرحلة القادمة
حديث الساعة الهام سالم منصور

التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها السودان اليوم لم تعد مجرد أحداث متفرقة، بل أصبحت مؤشرات واضحة على أن البلاد دخلت مرحلة إعادة تشكيل شاملة للخارطة السياسية والعسكرية، ولذلك فإن انضمام الحركة الشعبية جناح الفريق أحمد إدريس إلى حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم يمثل خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز ظاهرها التنظيمي إلى حسابات أعمق ترتبط بمستقبل السودان نفسه.
ففي عالم السياسة لا توجد تحالفات مجانية، ولا تأتي خطوات الاندماج أو التقارب في هذا التوقيت المضطرب دون أهداف بعيدة المدى، خاصة وأن السودان يعيش واحدة من أخطر مراحله التاريخية وسط حرب أنهكت الدولة وأعادت ترتيب موازين القوى على الأرض.
هذا الانضمام يمكن قراءته أولاً باعتباره محاولة لبناء مركز قوة جديد داخل المشهد السوداني، لأن الحركات المسلحة والقوى السياسية أصبحت تدرك أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة التكتلات الكبرى، وأن أي جسم سياسي أو عسكري يبقى منفرداً سيكون ضعيف التأثير في معادلة ما بعد الحرب.
الحركة الشعبية جناح الفريق أحمد إدريس تعلم أن السودان مقبل على تسويات سياسية معقدة، وربما إعادة توزيع للأدوار والنفوذ داخل الدولة، ولذلك فإن التقارب مع حركة العدل والمساواة يمنحها مساحة أكبر للحضور السياسي والعسكري داخل المشهد القادم، خاصة أن العدل والمساواة تمتلك ثقلاً تنظيمياً وخبرة تفاوضية وعلاقات إقليمية واسعة.
ومن الناحية الإستراتيجية، فإن هذا التحالف يحمل رسالة واضحة بأن القوى المسلحة بدأت تتجه نحو إعادة ترتيب صفوفها وفق تحالفات أكثر تماسكا، استعداداً لأي متغيرات قادمة سواء في الميدان العسكري أو العملية السياسية. فالسودان الآن يعيش مرحلة فرز سياسي حاد، وكل طرف يسعى لتأمين موقعه قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
أما على المستوى العسكري، فإن الانضمام يعني توحيد جزء من القدرات والخبرات والتنسيق الميداني، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الحرب الحالية وتعقيداتها الأمنية. فالحركات المسلحة باتت تدرك أن العمل الفردي لم يعد قادراً على الصمود أمام التحولات المتسارعة، وأن التحالفات أصبحت ضرورة للبقاء والتأثير.
هناك أيضاً بعد اقتصادي وسياسي مهم لا يمكن تجاهله، فالقوى التي تمتلك نفوذاً على الأرض وتحالفات واسعة ستكون الأقرب للمشاركة في إدارة الموارد ومؤسسات الدولة مستقبلاً. ولذلك فإن كثيراً من التحالفات الحالية لا تُبنى فقط على أساس عسكري، وإنما على حسابات النفوذ السياسي والاقتصادي في السودان الجديد.
إقليمياً، فإن بعض القوى الدولية والإقليمية أصبحت تفضل التعامل مع كيانات موحدة بدلاً من عشرات الحركات المتفرقة، لأن تعدد الأجسام المسلحة يعقد أي عملية تفاوض أو استقرار سياسي. لذلك قد يكون هذا الانضمام أيضاً جزءاً من إعادة تقديم هذه القوى بصورة أكثر تنظيماً أمام المجتمع الدولي.
لكن رغم كل هذه الحسابات، فإن التحدي الحقيقي أمام أي تحالف سوداني يظل في القدرة على الاستمرار. فالتاريخ السياسي السوداني مليء بتحالفات انهارت بسبب تضارب المصالح والصراع حول القيادة والمكاسب. ولذلك فإن نجاح هذا التكتل لن يتحقق فقط عبر البيانات السياسية أو التفاهمات العسكرية، وإنما بوجود مشروع وطني حقيقي يتجاوز الحسابات الضيقة.
المواطن السوداني الذي عانى الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي لم يعد يهتم كثيراً بالأسماء والتنظيمات بقدر اهتمامه بالأمن والاستقرار وعودة الدولة وهيبتها. لذلك فإن أي تحالف لا يضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية أو العسكرية سيظل مهدداً بالفشل مهما بدا قوياً في بدايته.
كما أن هذا التحالف قد يدفع قوى أخرى إلى مراجعة حساباتها السياسية والعسكرية، وربما نشهد خلال الفترة المقبلة سلسلة من الاندماجات والتكتلات الجديدة، لأن الجميع أصبح يدرك أن السودان بعد الحرب لن يشبه السودان قبلها.
المرحلة القادمة ستكون مرحلة صراع نفوذ سياسي بقدر ما هي صراع عسكري، وكل طرف يحاول أن يحجز لنفسه موقعاً داخل السودان القادم. ومن هنا فإن انضمام الحركة الشعبية جناح الفريق أحمد إدريس إلى حركة العدل والمساواة قد يكون بداية لميلاد خارطة سياسية وعسكرية جديدة تعيد رسم موازين القوى داخل البلاد.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الشارع السوداني اليوم: هل تتحول هذه التحالفات إلى خطوة نحو بناء دولة قوية ومستقرة، أم تصبح مجرد إعادة تدوير للأزمات القديمة تحت مسميات جديدة؟ لأن الوطن لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات والصراعات، والسودانيون ينتظرون مشروعاً وطنياً يعيد للدولة توازنها وللمواطن أمنه وكرامته.
السبت ٢٣مايو٢٠٢٦
العودة تفتح ملف المال السري للمليشيا “2”
يكشف هذا التحقيق ، استناداً إلى وثائق وبيانات مسربة، آليات نجاح قيادة مليشيا قوات الدعم ال…





