السودان بعد ( الثورة ) المصنوعة في ٢٠١٩م .. من الدولة الصلبة الي ساحة مفتوحة ! قراءة في التحولات والمآلات
السفير. رشاد فراج الطيب

لم يكن ما جرى في السودان بعد ديسمبر 2019م مجرد انتقال سياسي مضطرب ، بل كان انزلاقًا تدريجيًا نحو حالة من التفكك البنيوي الذي أصاب جوهر الدولة في تماسكها ووظيفتها وهيبتها .
فحين تُفكك المؤسسات دون بدائل راسخة ، وتُدار المرحلة الانتقالية بذهنية الغلبة لا التوافق ، يصبح الفراغ الناتج بيئة مثالية لتكاثر المخاطر وتنامي التهديدات ، وهو ما واجهه السودان بالفعل ، وما تزال تداعياته ماثلة حتى اليوم وقد أصبح مطمعا للأقربين والأبعدين .
لقد برزت أولى هذه المخاطر في انهيار مركزية القرار الوطني ، حيث تعددت مراكز القوة وتضاربت المرجعيات ، فلم تعد الدولة قادرة على التعبير عن إرادة سياسية موحدة .
هذا التشتت لم يكن مجرد خلل إداري ، بل تحول إلى ثغرة استراتيجية نفذت منها القوى الإقليمية والدولية ، كلٌّ يسعى لتوجيه المشهد وفق مصالحه .
ومع غياب رؤية وطنية جامعة ، أصبح القرار السوداني في كثير من الأحيان رهينة لضغوط الخارج ، أو انعكاسًا لصراعات الداخل .
وتزامن ذلك مع تآكل المنظومة الأمنية ، ليس فقط بسبب تعدد التشكيلات المسلحة ، ولكن نتيجة غياب العقيدة الوطنية الجامعة التي تضبط استخدام القوة وتحدد وجهتها .
فحين تفقد الدولة احتكارها المشروع للعنف ، تتحول الجغرافيا إلى مسرح مفتوح للتمردات والصراعات المحلية ، وتتداخل خطوط النزاع حتى يصعب فصل ما هو داخلي عما هو مدفوع من الخارج .
وهذا ما جعل السودان عرضة لحروب بالوكالة ، حيث تتغذى الانقسامات الداخلية على دعم خارجي ، ويتعزز التدخل الخارجي بفعل هشاشة الداخل .
أما الخطر الاقتصادي ، فقد كان ولا يزال أحد أخطر مهددات الأمن القومي ، إذ إن انهيار العملة وتدهور الإنتاج وتآكل الخدمات الأساسية لم يخلق فقط معاناة معيشية ، بل أضعف مناعة الدولة نفسها .
فالدولة الفقيرة المضطربة اقتصاديًا تكون أكثر قابلية للابتزاز السياسي ، وأقل قدرة على تمويل أمنها واستقرارها ، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام اختراقات تمس السيادة الوطنية .
وفي عمق هذه الأزمات ، برز خطر الانقسام المجتمعي ، حيث تصاعدت خطابـات الإقصاء والاستقطاب ، وتراجعت مساحات الثقة بين مكونات المجتمع .
ومع غياب مشروع وطني جامع، تحولت الهويات الفرعية إلى بدائل عن الهوية الوطنية ، وأصبح الانتماء الضيق أحيانًا أقوى من الانتماء للدولة .
وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ، لأن الدولة قد تصمد أمام الضغوط الخارجية ، لكنها تنهار حين يتفكك نسيجها الاجتماعي من الداخل .
هذه المخاطر مجتمعة لا يمكن التعامل معها بمعالجات جزئية أو حلول تكتيكية ، بل تتطلب إعادة تأسيس شاملة لفكرة الدولة نفسها ، عبر مشروع قومي جامع يعيد تعريف الأولويات ، ويضع الأمن الوطني والقومي فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي .
مشروع يستند إلى رؤية واضحة تعيد بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والانضباط ، وتستعيد هيبة الدولة دون أن تسقط في الاستبداد ، وتحقق التوازن بين الحرية والاستقرار .
وفي قلب هذا المشروع ، يبرز دور الجيش باعتباره العمود الفقري للدولة وحارس سيادتها .
فالجيش الوطني المهني ، حين يلتزم بعقيدته القائمة على حماية الوطن لا الحكم باسمه ، يشكل صمام الأمان في مواجهة التهديدات الوجودية .
إن إعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع ، وتحصينها من الاختراقات السياسية ، يمثلان شرطًا أساسيًا لاستعادة الاستقرار .
فالجيش ليس طرفًا في صراع ، بل هو الإطار الذي يحفظ بقاء الدولة نفسها .
وإلى جانب الجيش ، تبرز أهمية ما يمكن تسميته بالقوى الاجتماعية الصلبة ، الأحزاب الوطنية الحقيقية ، القبائل ، الطرق الصوفية ، النقابات المهنية الحقيقية ، والكيانات المجتمعية ذات الامتداد التاريخي .
هذه القوى رغم ما قد يعتريها من تباينات ، تشكل عمقًا استراتيجيًا للدولة ، ويمكن أن تلعب دورًا محوريًا في رأب الصدع المجتمعي ، وبناء جسور الثقة ، ومقاومة محاولات التفكيك .
إن استدعاء هذه القوى ضمن مشروع وطني جامع ، لا بوصفها أدوات سياسية ، بل شركاء في بناء الاستقرار ، يعد ضرورة لا ترفًا .
إن مواجهة العدوان الخارجي لا تتم فقط عبر الخطاب ، بل عبر بناء دولة قوية متماسكة داخليًا ، قادرة على حماية قرارها ، وتوظيف موقعها الجيوسياسي لصالحها لا ضدها.
ومواجهة التمرد الداخلي والعدوان لا تكون فقط بالحسم العسكري ، بل بمعالجة جذوره السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، حتى لا يتحول كل إخماد لنزاع إلى بذرة لصراع جديد .
أما الانقسام المجتمعي ، فلا يُعالج إلا بإحياء فكرة الوطن الجامع ، الذي يتسع للجميع دون إقصاء ، ويقوم على العدل لا الغلبة .
حين ينجح السودان في إعادة بناء دولته على هذه الأسس ، فإنه لا يستعيد فقط استقراره الداخلي ، بل يستعيد أيضًا دوره الطبيعي في الإقليم والعالم .
فالسودان بما يملكه من موارد زراعية وموقع استراتيجي ، قادر أن يكون ركيزة للأمن الغذائي ، وجسرًا للتواصل بين العالمين العربي والإفريقي ، ومصدرًا للاستقرار بدل أن يكون ساحة للصراع .
وفي هذه اللحظة الفارقة ، فإن التحدي لم يعد في توصيف الأزمة بقدر ما أصبح في الاستجابة لها .
فالوقت ليس وقت تنازع على السلطة ، ولا سباقًا نحو الغنائم والمكاسب الضيقة الحزبية والشخصية ، بل هو وقت عمل وطني خالص من أجل استعادة الدولة وصيانة أمنها وإحياء مؤسساتها .
ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بصف وطني موحد ، يتجاوز الحسابات الحزبية ، ويلتقي حول هدف بقاء الدولة نفسها ، ويقف خلف الجيش بوصفه حارسها ، لا انتظارًا لعائد أو مكافأة ، بل إيمانًا بأن إنقاذ الوطن هو المكسب الأكبر ، وأن تضحية اليوم هي الثمن الضروري لاستعادة السودان لعافيته ودوره ومكانته .
لدى لقائه البرهان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للقرن الأفريقي يؤكد دعم الأمم المتحدة للمساهمة في إيجاد حل للازمة
اطلع السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، المبعوث الخاص …





