أغوار وأسرار الشخصية السودانية (6-10)
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

ومن السمات الواضحة في الشخصية السودانية النزعة الدينية منذ الأزل، بداية بعبادة الآلهة الفرعونية في الممالك الكوشية، مرورًا بالمسيحية في عهد الممالك النوبية الثلاث، انتهاء بدخول الإسلام في القرن الرابع عشر. حيث سيطرت الصوفية على السمة العامة للتدين، وأبرز تلك الملامح انجلت في عهد مملكة الفونج.
وبالرغم من أن مملكة تقلي كانت قائمة بذاتها، إلا أنها ارتبطت بأرض الحجاز، وكذلك سلطنة دارفور التي كانت في حالة شد وجذب وصراع مع مملكة سنار ووسط السودان. واتخذ الصراع أبعادًا عديدة من ضمنها الخلاف حول الهوية.
ولم يشفع لهذا الصراع تصاهر الفور مع العرب، فأعظم سلاطين الفور، سليمان سولون، تعود أصوله إلى الجزيرة العربية. فأضحى الفور حالهم حال معظم القبائل النوبية التي امتزجت بالعرب.
وقد ذكر الدكتور عبدالله عبدالماجد أبرھيم في كتابه “الغرابة” تلك العلاقة مابين مملكة الفور ووسط السودان بالتفصيل، وأوضح صلة غرب السودان بالوسط ومن ثم بالعرب خارج السودان. ولكن سياسة المناطق المقفولة التي مارسها المستعمر البريطاني حالت دون التقارب ما بين غرب السودان وبقية السودان، مما أدى إلى تباين في الرؤى والصراعات بين المناطق.
وكذلك الممارسات التعسفية والإبادة التي تعرض لها إنسان الوسط بل وسائر السودان، أفضت إلى مظاهر سالبة وظهور الغبن والاضطهاد لدى إنسان السودان. فظهرت بعض المسميات التي رسخت لعوامل عديدة، فصار أبناء النيل يصفون أبناء غرب السودان بالغرابة، وأبناء الغرب يصفون أبناء الشمال بالعرب الجلابة.
ويعود هذا التباين في الرؤى إلى سياسة المناطق المقفولة التي مارسها المستعمر البريطاني، والتي عمقت الفجوة بين المناطق، وكذلك تداعيات دكتاتورية التعايشي في المهدية، التي تركت بصماتها القائمة في المجتمعات السودانية.
وفي حقيقة الأمر، ليس كل قبائل غرب السودان تعايشة ولا كل أبناء الشمال عرب، وإن كانوا يتحدثون العربية ولغات محلية أخرى مثلما يحدث مع قبائل غرب السودان. فالروابط التي تجمعهم أكثر من التي تفرقهم، والتي أزكى نارها أعداء السودان، ووقفت النخب حيال ذلك الأمر موقف المتفرج لا الفاعل، وتركوا الحبل على القارب دونما بذل جهد لإزالة تلك النعرات البغضية وتحويل تلك الطاقة السالبة إلى مفاهيم موجبة.
وليعلم الجميع أن المصير واحد، والدين واحد، والوطن يسع الجميع. وفي حقيقة الأمر، إن وصف كلا الطرفين غير دقيق، وبذلك يكون كلا الطرفين صار رهين التأريخ والأحداث التي تمت إبان المهدية والسلوك الذي قام به التعايشي، ينم على جهل الرجل ودكتوريته البغيضة.
ونحن إذ نذكر بتلك الوقائع ليس من باب إلقاء اللوم أو اجترار الأحزان أو بذر الفرقة، ولكن نود أن نشير أن استمرار تلك الترسبات ناتج عن عدم قيام النخب بواجبها في معالجة تلك المفاهيم، ولم يتجرأ أي أحد منهم بسرد التأريخ كما هو وتداوله بصدق لمعالجة تلك التقرحات التي خلفت تراكمات أعاقت مسيرة الأمة.
ولعل الاقتصاد والسياسة والثقافة والدور الإقليمي والتاريخ لعبت دورًا في تشكيل تلك الصراعات. فسياسة المناطق المقفولة التي مارسها المستعمر البريطاني كانت عاملًا مؤثرًا في تعميق تلك الصراعات.
فإننا وبكل صدق نقول: “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (البقرة: 134).
يتبع .
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الأربعاء /1/أبريل/ 2026
ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه إعلان عطاء رقم (5) للعام 2026م عبارات وحماية حجرية بشارع الريف الجنوبي أمدرمان
ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه إدارة الشراء…





