الوطن لا يُبنى بالإقصاء.. إذا فتحنا أبواب العودة لحَمَلة السلاح فلماذا نغلقها أمام أصحاب الفكر والاسلاميين؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخه الحديث، مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والتجرد من الأهواء السياسية، لأن الأوطان التي أنهكتها الحروب لا تملك رفاهية الاستمرار في صناعة الخصومات وتوسيع دوائر العداء. ومن هنا يبرز سؤال مشروع يفرض نفسه على المشهد السياسي السوداني: إذا كان السودان قد استقبل قيادات وعناصر من الدعم السريع بعد ما ارتكبته الحرب من مآسٍ ودمار وانتهاكات وثقتها المنظمات والجهات المختلفة، فلماذا يرفض البعض مجرد فكرة عودة الإسلاميين إلى ساحة العمل الوطني والسياسي؟
إن ما تعرض له السودان خلال هذه الحرب يمثل جرحاً غائراً في وجدان الأمة السودانية. فقد فقد المواطن أمنه واستقراره، وتعرضت المدن للتدمير، ونزح الملايين من ديارهم، وسقط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح ومفقود. ومع ذلك كله، عندما اختار بعض المنتمين للدعم السريع ترك القتال والانحياز إلى الوطن، وجدوا أبواباً مفتوحة وفرصاً للعودة والمشاركة في معركة استعادة الدولة وحماية المواطنين.
وهنا لا بد من التوقف عند مبدأ مهم، وهو أن الوطن لا يمكن أن يدار بمعايير مزدوجة. فإذا كانت فلسفة المصالحة الوطنية تقوم على استيعاب من عاد إلى الصف الوطني مهما كانت خلافات الأمس، فإن هذا المبدأ ينبغي أن يطبق على الجميع دون استثناء أو انتقائية.
لقد حكم الإسلاميون السودان لسنوات طويلة، وهي تجربة سياسية مثلها مثل كل التجارب البشرية، لها ما لها وعليها ما عليها. حققت بعض الإنجازات وأخفقت في جوانب أخرى، ويمكن للناس أن يختلفوا حول تقييمها، لكن لا يمكن إنكار أن الإسلاميين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع السوداني، وأن لهم وجوداً فكرياً وسياسياً واجتماعياً ممتداً في مختلف أنحاء البلاد.
إن إقصاء أي تيار سياسي بصورة كاملة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يزيد من حالة الاستقطاب والانقسام. والتاريخ السوداني نفسه يؤكد أن محاولات استبعاد القوى السياسية المختلفة لم تنتج حلولاً مستدامة، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تعقيد الأزمات وإطالة أمدها.
السودان اليوم بحاجة إلى مراجعات وطنية شجاعة، لا تقوم على منطق الغالب والمغلوب، وإنما على مبدأ الشراكة الوطنية. فليس المطلوب أن يتفق الجميع في الرأي، ولكن المطلوب أن يتفقوا على الوطن. وليس المطلوب أن تُمحى الخلافات الفكرية والسياسية، وإنما أن تُدار عبر الحوار والمؤسسات والقانون.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الاستفادة من خبرات جميع السودانيين دون استثناء. فالوطن يواجه تحديات كبيرة في إعادة الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهذه المهام لا يمكن أن تنهض بها فئة واحدة مهما بلغت قوتها، بل تحتاج إلى تضافر جهود كل أبناء السودان.
كما أن العدالة الحقيقية لا تعني معاقبة جماعة بأكملها بسبب أخطاء أفراد منها، وإنما تعني محاسبة كل من يثبت تورطه في تجاوزات أو جرائم وفق القانون والقضاء المستقل. أما الأحكام الجماعية والإقصاء السياسي الشامل فإنها تتعارض مع مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية.
إن السودان الذي نطمح إليه هو السودان الذي يتسع للجميع، السودان الذي يفرق بين الخلاف السياسي والعداء الوطني، والسودان الذي يمنح أبناءه فرصة جديدة للمساهمة في البناء بعد سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات.
لقد آن الأوان لأن يرتفع الخطاب الوطني فوق حسابات الثأر السياسي، وأن يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الأحزاب والتيارات والأشخاص. فالأمم العظيمة لا تنهض بإقصاء أبنائها، وإنما بتوحيد طاقاتهم وتوجيهها نحو البناء والتنمية والاستقرار.
فإذا كانت أبواب الوطن قد فُتحت لمن حمل السلاح ثم عاد إلى رشده، فمن باب أولى أن تُفتح أمام من يحمل فكراً أو رؤية سياسية، لأن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، بل بالحوار والعدالة والمصالحة الوطنية الشاملة التي تجعل السودان وطناً للجميع لا ساحةً لتصفية الحسابات.
الاثنين ١٥يونيو٢٠٢٦
السودان ليس ملفاً.. السودان دولة ذات سيادة
بتاريخ 15 يونيو 2026 نشر موقع “جست سكيورتي” الأمريكي تقريراً يصف السودان بـ …





