محمد عثمان صالح… رجلٌ ربّى رجالًا، وأثرُه باقٍ لا يموت[الحلقة الثالثة والأخيرة]
خواطر ابن الفضل د.محمد فضل محمد

ليس من اليسير أن تكتب عن رجلٍ لم يكن مجرّد أستاذٍ عابر في مسيرتك، بل كان مدرسةً قائمة، ومشروعَ أثرٍ ممتد، وصانعَ رجالٍ تُقرأ بصماته في حياتهم قبل أن تُكتب في سيرهم.
وفي المقالات السابقة، تحدثتُ عن البروفيسور محمد عثمان صالح؛ عن خصاله وسجاياه، وعن عمقه في العلم الشرعي والأكاديمي، وعن امتداد علاقاته بعلماء الأمة في السودان وسائر البلاد الإسلامية. أما هنا فأنا أكتب عن الإنسان الذي عرفتُه قربًا، وعاشرتُه أثرًا، وارتويتُ من معين علمه وأدبه.
لقد كانت علاقتي به علاقةً استثنائية، ليست مجرد صلة طالبٍ بأستاذ، بل كانت صحبة علمٍ وتربيةٍ وتوجيه. كنت أزوره في بيته العامر بأم درمان – حي المهندسين – ذلك البيت الذي لم يكن جدرانًا تُزار، بل قيمةً تُعاش.
يستقبلك بوجهٍ مشرق، وروحٍ تحتفي بك، وكرمٍ أصيلٍ لا يعرف التكلّف، وكانت زوجته المصونة – رحمهما الله – تُعدّ لنا الطعام وأشهى المأكولات، في مشهدٍ يجسّد أصالة الكرم السوداني وسموّ معانيه. وكنا نجلس في حديقته الصغيرة التي كان يرعاها بعنايةٍ واهتمام، حتى لتبدو وكأنها مرآةٌ لروحه؛ يُحييها بالماء ويُحيي من حوله بالعلم.
وفي تلك المجالس، لم يكن الحديث عابرًا، بل كان علمًا يُبث، وتجارب تُنقل، ورؤى تُصاغ، فكنت أخرج منها بزادٍ لا يُقاس، وفهمٍ يتسع، وعزيمةٍ تتجدد.
ومن المحطات التي لا تُمحى من الذاكرة، موقفه حين كان مناقشًا داخليًا لرسالتي للدكتوراه، والتي كانت بعنوان: “الطرق النموذجية لاستغلال الصحافة في الدعوة لإصلاح المجتمع” فقد أشاد بها، وقرر أن الباحث تميز بالعمق في طرح الرسالة، وقوة مضمونها، وأن له قدرة فائقة في جمع المعلومات وتحليلها. ولم يقف عند حدود الإشادة، بل وجّه وسدّد وأضاف، حتى ازدادت الرسالة ضياءً وبهاءً، وخرجت بثوبٍ قشيب، لتنتهي إلى توصية اللجنة بمنحي درجة الامتياز مع التوصية بالطباعة. وهنا يتجلّى الفرق بين من يقيّم ومن يُنشئ ويُربّي.
وحين كانت لديّ الرغبة في الالتحاق بهيئة التدريس، شرّفني بكتابة تزكية علمية أعدّها من أنفس ما أملك، أقتطف منها نصًّا
“يسرني أن أزكي بهذا الأخ الدكتور محمد فضل محمد فضل المتخرج من جامعة أم درمان الإسلامية بدرجة الدكتوراه في الدعوة والإعلام بتقدير ممتاز، وهو مسجل كصحفي محترف ضمن القيد الصحفي في بلده السودان، وهو من الباحثين الذين عُرفت عنه حب العلم والاجتهاد في نشره، وله العديد من المؤلفات، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات، وهو بهذا يُرشح للتدريس بالجامعات سواء في الجامعات السودانية أو في مقرّه بالمملكة العربية السعودية أو أي دولة أخرى، وأسأل الله له التوفيق وأن ينفع بعلمه.”
وهنا أؤكد – بكل صدق – أن إيراد هذه الشهادة أو غيرها مما قيل في حقي، ليس من باب التباهي أو تلميع النفس، وإنما من باب إحقاق الحق، وإبراز فضل هذا العالم الجليل، وكيف كان يُنزل الناس منازلهم، ويُشجّع طلابه، ويصنع فيهم الثقة والدافعية؛ فهي شهادة له قبل أن تكون عني، ودليلٌ على سموّ خُلُقه، ونُبل منهجه في التربية والعلم.
ثم زادني شرفًا حين طلبتُ منه أن يكتب مقدمة لكتابي الأخير: “جهود ومنهج الشيخ الهدية في الدعوة إلى الله” فاستجاب بكرم العلماء، وكتب مقدمة حملت روحه، وكان من أبلغ ما جاء فيها:
“….فالشيخ الهدية – رحمه الله – كان متسامحًا مع الجميع، وقد أظهر الأخ الدكتور محمد فضل صفاته الجميلة الكاملة في هذا السفر الذي يؤرخ لعلمٍ من أعلام الدعوة في السودان والدول المجاورة. أكرر شكري وسعادتي بهذا التقديم، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل بالقبول الحسن، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.”
إنها كلمات، لكنها عند من يعرف قدر العلماء تاريخٌ من المعاني، وشهادةٌ تختصر مسيرة.
واليوم، وأنا أستحضر هذه الصفحات من الذاكرة، أدرك أن الحديث عن البروف محمد عثمان صالح ليس حديثًا عن رجلٍ مضى، بل عن أثرٍ باقٍ، ومدرسةٍ ممتدة، ورجالٍ يحملون بصمته في مسيرتهم.
وفضائله – بعد توفيق الله – أكثر من أن تُحصى، وأثره أعمق من أن يُختزل، ولكنه – بحق – كان من أولئك الذين لا يكتفون بصناعة العلم بل يصنعون الرجال.
وفي ختام هذه الكلمات، لا أقول إلا ما يليق بمقامه:شكرًا لك على كل ما قدمت، فقد تركت فينا علمًا يُهتدى به، وأثرًا يُقتدى به، ونورًا لا ينطفئ. اللهم اغفر له وارحمه، واجعل الجنة مثواه ومثوانا، واجزه عن العلم وأهله خير الجزاء، وألحقنا به على خير.
وما كتبته هناوفاءٌ لرجلٍ علّمنا أن الوفاء خُلُق، وأن إنزال الناس منازلهم عدل، وأن صناعة الرجال هي الخلود الحقيقي.
بروف مضوي الصندوق القومي لرعاية الطلاب ركيزة أساسية للتعليم العالي
قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، بروفيسور أحمد مضوي موسى ، أن الصندوق القومي لرعاية…





