الهيكل الراتبي ولائحة خدمة أعضاء هيئة التدريس، لماذا؟
مضمار_الحقائق د. موسى آدم عثمان الفولاني

يُعد أعضاء هيئة التدريس الركيزة واللبنة الأساسية في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، إذ تقع على عاتقهم مسؤوليات التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وبناء رأس المال البشري الذي تعتمد عليه الدول في تحقيق التنمية المستدامة. ولذلك تحرص الدول المتقدمة والنامية على تطوير الهياكل الراتبية وامتيازات الخدمة الجامعية بما يضمن استقطاب الكفاءات الأكاديمية والحفاظ عليها. وقد اتجهت كثير من الدول إلى اعتماد أنظمة وظيفية خاصة بأعضاء هيئة التدريس، تختلف عن لوائح الخدمة المدنية التقليدية، وذلك نظراً لخصوصية العمل الأكاديمي وطبيعته البحثية والعلمية.
تعتمد معظم دول العالم أنظمة ومصفوفات وظيفية خاصة بالجامعات، ويعود ذلك إلى عدة أسباب تتعلق بطبيعة العمل الأكاديمي، ومن أبرزها: *أولاً: خصوصية العمل الأكاديمي:* فالعمل الجامعي لا يقتصر على التدريس، بل يشمل: البحث العلمي، الإشراف على الأطروحات والرسائل الجامعية على مستويات برامج الدبلوم، والبكالوريوس والدراسات العليا، النشر والإنتاج العلمي ، المشاركة في المؤتمرات واللقاءات العلمية، خدمة المجتمع؛ فهذه ست وظائف يقوم بها أعضاء هيئة التدريس إضافة إلى العبء التدريسي. وهذه المهام تختلف جذرياً عن طبيعة الوظائف الإدارية التقليدية. *ثانياً: المنافسة العالمية على الكفاءات:* تتنافس الجامعات عالمياً على استقطاب العلماء والباحثين، ولذلك فإن الهياكل الراتبية المرنة تعد أداة مهمة لجذب الكفاءات الأكاديمية ومنع هجرتها. *ثالثاً: طبيعة الترقية الأكاديمية:* الترقية في الجامعات تعتمد على: الإنتاج العلمي، عدد البحوث المنشورة، الإشراف العلمي، التأثير الأكاديمي وخدمة المجتمع. وهذا أيضاً يختلف عن الترقية في الخدمة المدنية التي تعتمد غالباً على الأقدمية الوظيفية. *رابعاً: استقلال الجامعات: تعتمد كثير من الدول نظام الاستقلال الجامعي الذي يمنح الجامعات صلاحيات واسعة في إدارة مواردها البشرية والمالية. ومع هذا لم يمنع الدول من الإلتزام بتمويل التعليم العالي والبحث العلمي.
تختلف الهيكل الراتبية بين الدول، لكنه غالباً يتدرج وفق الرتب الأكاديمية المتعارف عليها تبدأ من رتبة أستاذ (Professor)، أستاذ مشارك (Associate Professor)، أستاذ مساعد (Assistant Professor)، محاضر (Lecturer)، معيد أو مساعد تدريس (Teaching Assistant). في الجامعات المتقدمة والمتطورة يعتمد الهيكل الراتبي على ثلاثة عناصر رئيسية متمثلة في الراتب الأساسي، البدلات الأكاديمية والحوافز البحثية. فعلى سبيل المثال لا الحصر ، يتراوح متوسط الرواتب السنوية في بعض الجامعات العالمية بين: (120000 – 200000 دولار) للأستاذ، (90000 – 140000 دولار) للأستاذ المشارك و (70000 – 110000 دولار) للأستاذ المساعد. كما تُضاف إلى هذه الرواتب حوافز مرتبطة بالبحث العلمي والمنح الدولية. أما على مستوى كثير من الدول العربية والإفريقية يعتمد الهيكل الراتبي على الراتب أساسي، بدل سكن، بدل بحث علمي وبدل إشراف أكاديمي. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في ضعف التمويل الحكومي للتعليم العالي مقارنة بالدول المتقدمة.
تقدم الجامعات الإقليمية والعالمية مجموعة من الامتيازات التي تهدف إلى تعزيز البيئة الأكاديمية، ومن أبرزها *الامتيازات المالية* وتشمل: بدل السكن –يغطي تكاليف السكن، بدل البحث العلمي، مكافآت النشر العلمي ومكافآت الإشراف على الرسائل العلمية. تعقبها *الامتيازات المهنية* كالتفرغ العلمي (Sabbatical Leave)، المشاركة في المؤتمرات الدولية ودعم المشاريع البحثية. أيضاً *الامتيازات الاجتماعية* كالتأمين الصحي، برامج التقاعد وتعليم أبناء أعضاء هيئة التدريس بالمراحل الدنيا و توفير منح تعليمية لأبناءهم. أهمها *الامتيازات البحثية* والتي تشمل تمويل المشاريع البحثية، الوصول إلى قواعد البيانات العلمية وإنشاء مراكز بحثية متخصصة
تدار معظم الجامعات في العالم وفق نظام اللامركزية الإدارية والأكاديمية، حيث تتمتع الجامعات بقدر كبير من الاستقلال في إدارة الموارد البشرية، وضع البرامج الأكاديمية، إدارة الميزانيات وتحديد أولويات البحث العلمي لكن هذه اللامركزية لا تعني الانفصال الكامل عن الدولة، بل تبقى الحكومات مسؤولة عن السياسات العامة وتمويل التعليم العالي. ولا تُعد اللامركزية الجامعية مبرراً لتخلي الحكومات عن تمويل التعليم العالي، وذلك لعدة أسباب كثيرة منها التعليم العالي يعد سلعة عامة ذات منفعة اجتماعية، كذلك الجامعات تسهم في التنمية الاقتصادية والابتكار العلمي كما أن تمويل الجامعات يعد استثماراً وطنياً في رأس المال البشري. ولهذا تستمر الحكومات في معظم الدول في تمويل الجزء الأكبر من الهيكل الراتبي لأعضاء هيئة التدريس.
يعتمد تمويل الجامعات عادة على عدة مصادر وهي: التمويل الحكومي الذي يشكل المصدر الرئيس لتمويل رواتب أعضاء هيئة التدريس في معظم الدول. الرسوم الدراسية، إذ تسهم في دعم الميزانية التشغيلية للجامعات. المنح البحثية التي تمولها الحكومات أو المؤسسات الدولية. كذلك تسهم الشراكات مع القطاع الخاص في تمويل الهيكل الراتبي لأعضاء هيئة التدريس خاصة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا. بالإضافة إلى ذلك الاستثمارات الجامعية والتي تعد من المصادر المهمة في بعض الجامعات العالمية. تعتمد الحكومات في تمويل الجامعات على عدة معايير، وتطبق هذه المعايير على كل جامعة منفصلة عن الأخرى حسب المعايير التالية: عدد الطلاب، عدد أعضاء هيئة التدريس، الإنتاج البحثي، ترتيب الجامعة اقليمياً وعالمياً والتخصصات العلمية ذات الأولوية الوطنية.
تمويل الحومات للهيكل الراتبي ليست بدعة محدثة بل هو التزام عالمي واقليمي من قبل الحكومات، على سبيل المثال تعتمد الجامعات في سنغافورة على تمويل حكومي قوي للتعليم العالي مع ربط التمويل بمؤشرات الأداء، كجودة البحث العلمي، الابتكار والشراكات الصناعية، وقد أسهم ذلك في جعل جامعاتها من بين أفضل الجامعات في آسيا والعالم. أيضاً تبنت ماليزيا استراتيجية تطوير الجامعات من خلال زيادة التمويل الحكومي، دعم البحث العلمي وتشجيع الشراكات الدولية، وقد أدى ذلك إلى تحسين ترتيب الجامعات الماليزية عالمياً. كما ركزت رواندا على تطوير التعليم العالي باعتباره محركاً للتنمية، وذلك عبر دعم الجامعات الحكومية، الاستثمار في التعليم التكنولوجي واستقطاب الكفاءات الأكاديمية الدولية. على مستوى افريقيا تعد جنوب أفريقيا من أبرز الدول الإفريقية في تطوير التعليم العالي، حيث تعتمد الجامعات على التمويل الحكومي، الرسوم الدراسية والمنح البحثية الدولية.
ختاماً، يتضح من خلال التجارب الإقليمية والعالمية أن الهيكل الراتبي وامتيازات الخدمة لأعضاء هيئة التدريس يمثلان عنصراً أساسياً في تطوير التعليم العالي. كما أن استثناء أعضاء هيئة التدريس من لوائح الخدمة المدنية التقليدية يعد ممارسة شائعة في معظم دول العالم، نظراً لخصوصية العمل الأكاديمي وطبيعته البحثية. وتؤكد التجارب الدولية أن تمويل التعليم العالي مسؤولية مشتركة بين الدولة والجامعات والمجتمع، وأن الاستثمار في أعضاء هيئة التدريس يعد استثماراً مباشراً في التنمية العلمية والاقتصادية. لذلك فإن تطوير الهياكل الراتبية والامتيازات الأكاديمية يعد شرطاً أساسياً لتعزيز جودة التعليم العالي وبناء اقتصاد المعرفة.
لنا لقاء إن شاء الله ،،،،،
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك
وإلى نهر النيل يؤكد دعمه لمجمع المجذوب ومستشفى البشير
اكد الدكتور محمد البدوي عبدالماجد ابوقرون والي نهر النيل اكد علي الدور الكبير الذي لعبه ال…




