‫الرئيسية‬ مقالات جنرال الحصار والصمود: محمد عثمان الحسين.. حين يبتسم القائد في وجه العاصفة
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

جنرال الحصار والصمود: محمد عثمان الحسين.. حين يبتسم القائد في وجه العاصفة

واقع معاش  اللازم السفير 

​في تاريخ العسكرية السودانية، ثمة قادة تمنحهم الظروف فرصة الظهور، وثمة قادة يصنعون من الظروف القاسية نصراً مؤزراً، ويقف الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين كنموذج فريد للقائد الذي تسلم الأمانة في أحلك المنعطفات التاريخية، وأدار المعركة من قلب الحصار، ليترجل بالأمس محالاً إلى التقاعد بعد مسيرة حافلة، تاركاً خلفه مؤسسة عصية على الانكسار.

 

​لم يكن الفريق أول محمد عثمان الحسين قائداً يكتفي بإدارة العمليات من غرف بعيدة، بل كان قلب الثبات وعقل الصمود داخل القيادة العامة في أصعب لحظات البلاد. واجه مع هيئة قيادته حصاراً خانقاً وهجوماً هو الأعنف في تاريخ الحروب الحضرية، وكان وجوده في “المسافة صفر” بمثابة الروح التي استمد منها الجنود عزيمتهم؛ فثباته الهادئ وابتسامته التي لم تغادره في ذروة القصف، كانا الحصن المعنوي الذي أحبط مخططات انهيار الدولة في ساعاتها الأولى.

 

​تميزت فترة قيادته بما يمكن تسميته “الصبر الإستراتيجي”، ففي الوقت الذي تصاعدت فيه الضغوط، كان يدرك بحنكة القائد المجرب أن المعركة تتطلب امتصاص الصدمة الأولى ببرود أعصاب، ثم إعادة ترتيب الصفوف وسط تعقيدات لوجستية وسياسية بالغة الحساسية. صمد أمام حملات التشويه والضغط النفسي الممنهج، وظل طوداً شامخاً يتجاهل ضجيج الأضواء ويركز فقط على ما يخدم الميدان وكرامة الجندي السوداني، محولاً لحظات الشدة إلى استراتيجية نصر مجيد.

ومع ترجل هذا الفارس ووضعه (للبندقية) في قمة المجد العسكري، تنتقل الراية إلى فارس آخر خبرته الميادين وعرفه الأعداء قبل الأصدقاء ببأسه وجسارته؛ حيث خلفه في رئاسة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا. وهو اختيار يؤكد استمرارية النهج القتالي الصارم، فالعطا الذي ارتبط اسمه بالثبات الميداني والوضوح في الرؤية، يمثل الامتداد الطبيعي لهذه المسيرة المنصورة، والقادر على قيادة المرحلة المقبلة بذات العزيمة التي لا تلين.

يغادر الفريق أول محمد عثمان الحسين موقعه اليوم بذات النبل والانشراح الذي استقبل به التكليف، مؤكداً أن القيادة عنده أمانة أداها بصدق. سيكتب التاريخ أن “ابن البلد” الصنديد قد عبر بالسفينة وسط الأمواج المتلاطمة، ومضى إلى مجلسه بهدوء الكبار، تاركاً للأجيال سيرة عطرة، ولخلفه الفريق أول ياسر العطا جيشاً متماسكاً يواصل دحر التمرد واستعادة كرامة الوطن.

‫شاهد أيضًا‬

دموعٌ انتقائيةحين يُبكى على القاتل ويُنسى الضحايا

اطّلعتُ على مشهدٍ يعكس خللًا عميقًا في ميزان المواقف؛ صرخاتٌ ترتفع، ودموعٌ تُذرف، وحديثٌ م…