‫الرئيسية‬ مقالات تهديد الكلمة
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

تهديد الكلمة

محجوب أبوالقاسم

يمر وطننا الحبيب بلحظة فارقة من تاريخه حيث تتشابك تحديات الحرب مع رهانات بناء الدولة يطل ملف الحريات العامة وعلى رأسها حرية الصحافة كأحد أهم معايير الحكم على جدية الانتقال نحو دولة القانون ، فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول خبر منشور أو تسريب سياسي بل باتت تمس جوهر العلاقة بين السلطة والإعلام وحدود ما هو مسموح وما هو مرفوض في فضاء التعبير.

القصة بدأت حين دون الصحفي الأستاذ الرقم عبدالماجد عبد الحميد رئيس تحرير الزميلة مصادر منشورا على صفحته بالفيس بوك قبل ايام كشف فيه عن تلقيه تهديد مبطن من شخصية أمنية وتنفيذية رفيعة بمكتب رئيس الوزراء كامل إدريس وذلك على خلفية نشره معلومات تتعلق بتعديلات وزارية مرتقبة تضمنت بحسب قوله الإطاحة بشخصية نافذة داخل المكتب ذاته.

اللافت في حديث عبد الحميد ليس فقط مضمون التهديد بل السياق الذي ورد فيه فالرجل يؤكد أن ما نشره استند إلى مصادر مؤكدة وأنه منفتح مهنيا على نشر أي توضيح أو تعقيب رسمي وهو ما لم يحدث لكنه فوجئ بدلا عن ذلك برسالة تحمل إيحاء واضح بأن تطورات قانونية وإجرائية قد تطاله في صيغة أقرب إلى التحذير والتهديد منها إلى التنبيه.

هذا النوع من الرسائل يطرح أسئلة جوهرية هل نحن أمام محاولة لضبط الفضاء الإعلامي بالقانون أم أمام نزعة لفرض الصمت عبر التلويح بالأدوات القانونية؟ وهل تستخدم القوانين خاصة تلك المتعلقة بجرائم المعلوماتية والنشر كوسيلة تنظيم أم كأداة ردع وإرهاب معنوي؟
الصحفي عبد الماجد لم يتردد في توجيه تساؤلات مباشرة إلى وزير العدل حول طبيعة هذه القوانين هل هي لصيانة المجتمع من الانفلات أم لتكميم الأفواه؟ وهي أسئلة تعكس قلق متزايد داخل الوسط الإعلامي من احتمالات سمكرة القوانين بما يخدم التضييق لا التنظيم ، غير أن ما يثير القلق أكثر هو الشعور العام الذي تولد من هذه الواقعة شعور بأن هناك من لا يزال يتعامل مع الصحافة باعتبارها خصما يجب إخضاعه لا شريكا يجب الاستماع إليه،شعور بأن بعض مراكز النفوذ لم تستوعب بعد أن الدولة الحديثة تبنى بالشفافية لا بالخوف وبالمساءلة لا بالترهيب.

لقد جاءت الحرب التي أشعلتها مليشيات ابوظبي في واحدة من أقسى محطات السودان لتختبر صلابة الدولة والمجتمع ورغم حجم الانتهاكات استطاع الجيش بقيادة الرئيس البرهان ومعه الأجهزة النظامية والمساندة والمستنفرين أن يعيد الكرامة الوطنية وأثبت أن السودان قادر على النهوض من تحت الركام.

لكن معركة استعادة الدولة لا تكتمل بالانتصار العسكري وحده بل تتطلب ترسيخ دولة القانون حيث لا يسمح لأي مسؤول مهما علا منصبه أن يستخدم سلطاته لإرهاب المواطنين أو التضييق على الصحفيين ، فالدولة التي تهزم فيها الكلمة لا تنتصر فيها البنادق.

إن الصحافة بطبيعتها مرآة تعكس الواقع بما فيه من نجاحات وإخفاقات وهي حين تمارس دورها المهني لا تستهدف التشويه بل تسعى إلى كشف الخلل وتنبيه صناع القرار إلى مواطن القصور ولذلك فإن محاسبة الصحفيين يجب أن تكون بالقانون عبر قضاء مستقل لا عبر رسائل مبطنة أو ضغوط غير مباشرة.

الرسالة اليوم موجهة بوضوح إلى الرئيس البرهان وإلى رئيس الوزراء حماية المواطنين وفي مقدمتهم الصحفيون ليست ترف بل واجب دستوري ومحاسبة أي تجاوز داخل أجهزة الدولة يجب أن تكون حاسمة حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة.

السودان اليوم أمام مفترق طرق إما أن يرسخ دولة القانون التي تحمي الجميع أو ينزلق لا قدر الله إلى فوضى تدار فيها الأمور بمنطق القوة لا العدالة وبين هذا وذاك تبقى حرية الصحافة هي المؤشر الأصدق على الاتجاه الذي تسلكه الدولة.

ولنا عودة.

‫شاهد أيضًا‬

ضريح أبو كرجة… سقوط رواية الفتنة وانتصار الحقيقة

في مشهدٍ يكشف زيف الادعاءات ويضع الأمور في نصابها ظهر حفيد الشيخ محمد كرجة رحمه الله بقرية…