‫الرئيسية‬ مقالات دعوات البرهان للحوار السوداني وفرص النجاح
مقالات - ‫‫‫‏‫17 ثانية مضت‬

دعوات البرهان للحوار السوداني وفرص النجاح

اسماعيل شريف 

دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني شامل، بالتزامن مع خطابات التهدئة والمعايدات السياسية بمناسبة عيد الأضحى، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد “رسائل عيد” أو محاولة لصناعة فرح مؤقت وسط الحرب، بل تبدو أقرب إلى اعتراف سياسي ضمني بأن الحرب بلغت مرحلة الإنهاك التي تفرض على الجميع البحث عن مخرج سياسي، حتى وإن ظل هذا المخرج محاطاً بالألغام والتناقضات.

 

فالبرهان، في خطابه اليوم، لم يتحدث فقط عن التهاني والروح المعنوية، بل أعلن بصورة مباشرة عن “ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان”، مع حديث واضح عن ضمانات لتنفيذ المخرجات، وهو تطور مهم في اللغة السياسية للسلطة في بورتسودان.

لكن جوهر السؤال ليس في إعلان الحوار، وإنما في طبيعة هذا الحوار وحدوده.

فالاستثناءات التي حملها حديث البرهان، خاصة حديثه عن عدم إشراك من “تلطخت أيديهم بدماء السودانيين”، تعكس أن الدعوة لا تزال تتحرك داخل منطق الحرب أكثر من منطق التسوية الشاملة.

وهنا تظهر المعضلة الكبرى هل يمكن الوصول إلى سلام حقيقي بينما لا تزال القوى الرئيسية في الحرب مستثناة أو موضوعة في خانة العدو النهائي؟

في المقابل، فإن المعسكر الآخر أيضاً لا يبدو بعيداً عن صناعة وقائع سياسية موازية.

 

فاجتماعات نيروبي الأخيرة لقوى “صمود” والقوى المتحالفة معها لم تكن مجرد لقاءات تنسيقية عابرة، بل حملت حديثاً عن “الميثاق الجديد” والتوافق على مبادئ الدولة والمواطنة وصياغة مشروع سياسي بديل.

اللافت أن هذه الاجتماعات مضت نحو التفاصيل، لا الشعارات فقط، وهو ما يعني أن معسكر نيروبي يحاول الانتقال من حالة المعارضة إلى مشروع سلطة محتمل.

غير أن هذه الاجتماعات، مثل خطاب البرهان، تواجه هي الأخرى مشكلة الاستثناءات.

فإبعاد الحركة الإسلامية أو التعامل معها باعتبارها خارج أي معادلة مستقبلية، قد يعقد فرص التسوية، لأن الإسلاميين – سواء اتفق الناس معهم أو اختلفوا – لا يزالون جزءاً من بنية الدولة والجيش والبيروقراطية والحشد الاجتماعي.

 

وبالتالي فإن أي عملية سياسية تقوم على الإقصاء الكامل ستنتج حرباً مؤجلة لا سلاماً دائماً.

وفي هذا السياق تأتي التطورات في نيالا ذات دلالة مهمة.

فتشكيل الجهاز التنفيذي وتحركات حكومة “تأسيس” وتعيين الوزراء والوكلاء والمديرين التنفيذيين لا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات إدارية فقط، بل هي محاولة واضحة لتحويل السيطرة العسكرية إلى بنية حكم موازية على الأرض.

 

أي أن السودان بات عملياً أمام سلطتين

سلطة تسعى لتثبيت شرعيتها من بورتسودان، وأخرى تحاول بناء شرعية مقابلة من نيالا والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

ومن هنا يمكن فهم الحديث المتزايد عن مفاوضات غير معلنة في المنامة، خاصة بعد زيارة البرهان الأخيرة إلى البحرين، إلى جانب التسريبات المتعلقة بتهدئة أو مصالحة محتملة مع الإمارات العربية المتحدة.

فالمنطقة نفسها تبدو قد بدأت تصل إلى قناعة بأن استمرار الحرب السودانية بات مكلفاً للجميع، وأن توازنات الميدان لم تعد تسمح بحسم كامل لأي طرف.

 

وهذه النقطة بالذات ربما تكون أهم ما في المشهد الحالي. فالمعارك الأخيرة، رغم ضراوتها، لم تنتج انتصاراً نهائياً. الجيش حقق تقدماً مهماً في الوسط والعاصمة، بينما لا تزال قوات الدعم السريع وحلفاؤها يحتفظون بمناطق نفوذ واسعة غرباً وجنوباً. وهذا ما يمكن وصفه بـ”توازن الضعف” أي الحالة التي يعجز فيها كل طرف عن الحسم لكنه يملك ما يكفي لمنع هزيمته.

وفي كثير من الحروب، يكون هذا التوازن هو البوابة الحقيقية نحو التفاوض.

 

لكن التفاوض في السودان لا تعرقله البنادق فقط، بل تعرقله أيضاً أزمة الثقة العميقة.

فالجيش يخشى أن يتحول أي اتفاق إلى إعادة إنتاج لشراكة انهارت سابقاً، بينما تخشى القوى المدنية من أن يكون الحوار مجرد غطاء لترتيب شرعية جديدة للسلطة القائمة. أما القوى المسلحة الأخرى فتبحث عن نصيبها في السلطة والثروة والتمثيل.

 

لهذا تبدو دعوة البرهان اليوم مهمة، لكنها ليست كافية وحدها. قيمتها الحقيقية ستتحدد بالإجابة عن أسئلة جوهرية

هل سيكون الحوار شاملاً فعلاً؟

هل تقبل السلطة بتنازلات حقيقية؟

وهل تستطيع القوى المناوئة للحرب تقديم مشروع دولة لا مشروع انتقام سياسي؟

السودان الآن لا يقف فقط بين الحرب والسلام، بل بين مشروعين للدولة

مشروع يسعى لإعادة بناء المركز القديم بواجهة جديدة، ومشروع آخر يحاول فرض واقع سياسي جديد من الهامش والسلاح.

وبين المشروعين يقف شعب أنهكته الحرب، يبحث عن دولة لا غالب فيها ولا مغلوب، بل وطن يمكن العيش فيه من جديد.

‫شاهد أيضًا‬

موظفين تركوا العيد مع أسرهم من أجل زملائهم  والفقراء 

احيانا تجبرك ظروف العمل أو الغربة إلي قضاء يوم العيد بعيدا عن الأسرة والأهل الموضوع صعب خا…