سيادة الأوطان بين مطرقة التمرد وسندان الإملاءات الخارجية
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تتداخل الأعياد والمناسبات الدينية في حياة الشعوب لتشكل محطات للتأمل ومراجعة الذات، لكنها في بلد يكتوي بنار الحرب، تتحول إلى منصة تاريخية لإعادة تعريف الهوية الوطنية ورسم معالم البقاء. إن المتابع للمشهد الراهن يدرك تماماً أن البلاد لم تعد تواجه مجرد نزاع مسلح تقليدي أو خلاف سياسي عابر، بل تخوض معركة وجودية شرسة تمس صميم وحدتها، واستقرارها، وبنيتها المجتمعية. وفي ظل هذا المنعطف الخطير، يبرز صمود المواطنين وتماسكهم كحائط الصد الأول والركيزة الأساسية التي تتحطم عليها كل محاولات التركيع والإخضاع، مبرهناً على أن إرادة الشعوب الحرة لا يمكن أن تُسلب أو تُقهر تحت وطأة السلاح أو الترويع.
إن حجم الانتهاكات الجسيمة التي مارستها القوى المتمردة والمليشيات الخارجة عن القانون، من استباحة للأعراض، وتهجير قسري للمدنيين، ونهب للممتلكات العامة والخاصة، وتدمير ممنهج للبنية التحتية والمستشفيات ودور العبادة، يكشف بوضوح عن أجندة تخريبية لا صلة لها بالعمل السياسي أو الإصلاح الوطني. إنها حرب واضحة المعالم تستهدف تجريف الهوية، وتقسيم البلاد، وتحويلها إلى ساحة للفوضى الخلاقة لخدمة مصالح قوى إقليمية ودولية. أمام هذا الواقع المرير، يصبح الالتفاف الشعبي حول المؤسسة العسكرية الوطنية وجنود معركة الكرامة حتمية شرعية ووطنية لا تقبل القسمة على اثنين؛ فالجيش الوطني هنا لا يمثل سلطة سياسية، بل يجسد رمزية الدولة وضمانة وحدتها واستمرارها، وتطهير البلاد من دنس التمرد وعصابات البغي هو الخطوة الأولى والأساسية نحو أي استقرار حقيقي.
بموازاة المعركة العسكرية المستعرة على الأرض، يبرز مسار مكمل لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة صياغة الغد عبر رؤية سياسية وطنية خالصة. إن الحديث المتزايد عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل يجمع القوى الوطنية الحية، يمثل طوق النجاة لإنهاء هذه المعاناة، شريطة أن ينبع هذا الحوار من الداخل وبإرادة “أصحاب الوجعة” الحقيقيين من أبناء الوطن الصابرين. إن رفض الحلول المفروضة من الخارج، والاستقواء بالعواصم الأجنبية، ورفض الحوارات التي تُباع وتُشترى في أروقة المحافل الدولية، هو الموقف المبدئي الذي يحفظ كرامة الدولة وسيادتها. لا يمكن لصناعة السلام وتأسيس الحكم المدني الديمقراطي المستدام أن تتم عبر وصاية خارجية أو صفقات مشبوهة تتجاهل تضحيات الدماء التي سُفكت، بل يجب أن يتأسس البناء الوطني الجديد عبر استبعاد كامل لكل من تورط في دماء المواطنين أو تآمر ضد سلامة البلاد.
وفي هذا السياق، تكتسب المبادرات الوطنية الرامية إلى توحيد الكيانات والمنظمات ذات المرجعية القيمية والإسلامية أهمية استثنائية في هندسة مستقبل الدولة. إن هذه الحراكات المتنامية، والتي تتخذ من التوافق والمؤسسية شعاراً لها، لا ينبغي النظر إليها كأطر إقصائية أو حزبية ضيقة، بل هي نداءات استنهاض وطنية جامعة تسعى إلى رص الصفوف ووقف حالة التشرذم والتنازع التي أضعفت الدولة طوال الفترات الماضية. إن اللحظة التاريخية الحرجة لا تحتمل ترف الخلاف حول التفاصيل، بل تتطلب توحيد المقاصد والإرادات، والالتقاء على كلمة سواء تحمي الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، وتصد مخططات التفكيك والتجريف الإجرامية التي تقودها القوى المأجورة.
إن تلازم البندقية التي تذود عن حياض الوطن مع الفكر السياسي المسؤول الذي يتسامى فوق المصالح الذاتية، هو الصيغة الوحيدة الكفيلة بعبور هذه المحنة العاصفة.
إن تجاوز الجراح وتحويل الآلام إلى آمال يفرض على كافة مكونات المجتمع من علماء، وقادة رأي، وشباب، ونساء، وإدارات أهلية، التخندق في خندق الوطن بلا تردد، فالوحدة اليوم فرض عين وضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى وصناعة فجر جديد. ومع انقشاع غبار المعارك، سيبقى السودان وطناً عزيزاً شامخاً وعصياً على الانكسار، طالما بقيت إرادة شعبه متمسكة بسيادتها، ورافضة لبيع قضيتها في أسواق المزادات الدولية.
دعوات البرهان للحوار السوداني وفرص النجاح
دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني شامل، بالتزامن مع خطابات التهدئة والمعا…





