‫الرئيسية‬ مقالات منطق العنف في مرآة الانهيار
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

منطق العنف في مرآة الانهيار

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليس العنف مجرد فعلٍ يُرتكب… بل هو لغةٌ عندما تفشل اللغات الأخرى في إنتاج المعنى.

 

في ١٥ أبريل ٢٠٢٦م… تكتمل ثلاث سنوات على لحظة لم تكن مجرد اندلاع حرب، أو تمرد ، بل انكشاف عميق لما يمكن أن يصنعه الإنسان حين يتحول الخلاف إلى بنية، والخصومة إلى نظام، والانقسام إلى نمط حياة.

لكن السؤال هنا لم يعد: ماذا حدث؟

بل أصبح أكثر قسوة كيف يصبح الإنسان قادراً على إنتاج هذا المستوى من العنف ضد إنسانٍ يشبهه؟

هنا تحديدًا نستحضر ما يمكن أن نقرأه في كتاب “العنف والإنسان” للكاتب يورغ باربوفسكي، الذي لا يتعامل مع العنف كحادثة طارئة، بل كتجربة إنسانية مركبة تتغذى من الخوف، والذاكرة، والهوية، وانهيار المعنى المشترك بين البشر.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب في السودان مجرد صراع مسلح…

بل اختبارًا قاسيًا لقدرة الإنسان على إعادة تعريف الإنسان الآخر ، هل هو شريك وطن؟ أم تهديد يجب إقصاؤه؟

وهنا تبدأ #أصل_القضية

 

أولاً: العنف حين يفقد اسمه ويصبح “نظامًا اجتماعيًا”

في التحليل الكلاسيكي للعنف، يُنظر إليه كخرقٍ للنظام.لكن ما تكشفه التجربة السودانية خلال ثلاث سنوات هو العكس تمامًا ،

العنف لم يكن خارج النظام… بل تحول إلى أحد أشكال إنتاج النظام نفسه.

وهنا يلتقي التحليل مع أطروحات باربوفسكي حين يطول العنف، لا يعود حدثًا… بل يتحول إلى بيئة.

في السودان، لم يعد العنف مجرد بندقية أو معركة…بل أصبح:

• اقتصادًا بديلًا

• إدارة للفراغ السياسي

• إعادة توزيع قسري للسلطة والموارد

• تشكيلًا جديدًا للمدن والناس والذاكرة.

 

ثانيًا: الإنسان حين يتحول إلى “تصنيف”

أخطر ما في العنف الممتد ليس القتل المباشر…بل التحول التدريجي في طريقة رؤية الإنسان للآخر. ففي لحظات الانهيار:

لا يعود الآخر “مواطنًا” بل:

○ يصبح “تموضعًا” في الصراع

○ او “امتدادًا” لتهديد متخيل

○ أو “كتلة” تُختزل في الانتماء

وهنا يحدث ما يمكن تسميته وفق رؤية الجسر والمورد:

> “تفكك الهوية الوطنية لصالح هويات الحرب”.

فتتراجع فكرة “السوداني” الجامع…

وتتقدم بدلًا عنها تصنيفات اللحظة من معك؟ من ضدك؟ من محايد؟ من مشتبه به؟

وهكذا لا يعود العنف فعلاً… بل لغة تعريف اجتماعي.

 

ثالثًا: كيف يصبح العنف قابلاً للاستمرار؟

بحسب القراءة السوسيولوجية للعنف، فإن أخطر مرحلة ليست اندلاعه… بل استمراره. لأن استمرار العنف يعني:

• تطبيع الخسارة

• إعادة تفسير الألم

• تحويل الاستثناء إلى واقع يومي

وهنا نصل إلى ما يمكن تسميته في الحالة السودانية:

> “اقتصاد الاعتياد على الكارثة”

حيث:

○ يصبح فقدان المدن حدثًا متكررًا لا صادمًا

○ ويصبح النزوح نمط حياة

○ ويتحول الغياب إلى حضور يومي في الوعي الجمعي

 

وهنا تمامًا يفقد المجتمع قدرته على السؤال الكبير…لأنه منشغل بالبقاء داخل السؤال الصغير: كيف نعيش اليوم فقط؟

 

رابعًا: العنف كمرآة لانهيار العقد الاجتماعي

العنف، في جوهره، ليس فقط أداة قهر… بل مؤشر على أن العقد الاجتماعي لم يعد يعمل. في السودان، خلال السنوات الثلاث:

• تراجعت الدولة كمرجعية جامعة

• تآكلت الثقة في المؤسسات

• وتقدمت شبكات القوة البديلة

• وتفتتت فكرة “القانون كمرجع أعلى”

وهكذا لم يعد العنف استثناءً على الدولة… بل أصبح بديلًا عن غيابها أو ضعفها أو تنازعها الداخلي.

 

خامسًا: الإنسان السوداني بين الفعل والانكسار

في قلب هذا المشهد، لا يمكن اختزال الإنسان السوداني كضحية أو فاعل فقط. بل هو في كثير من الأحيان الاثنين معًا. وهنا تتقاطع رؤية باربوفسكي مع الواقع الإنسان لا يُنتج العنف فقط… بل يُعاد إنتاجه داخله. ففي لحظة ما:

○ يصبح الدفاع عن الذات مشروعًا مفتوحًا

○ وتصبح النجاة مبررًا لإعادة تعريف القيم

○ ويتحول الصراع من سياسي إلى وجودي

وهنا يبدأ التآكل الأخطر ، ليس في الأرض… بل في الداخل الإنساني نفسه.

 

سادسًا: من “العنف” إلى “اللا معنى”

ربما أخطر ما وصلت إليه الحالة السودانية اليوم ليس فقط العنف…بل فقدان القدرة على تفسيره.

فعندما:

• يتكرر الألم دون أفق

• وتغيب النهاية عن الأفق السياسي

• ويُستهلك الواقع في دورات متشابهة

يحدث ما يمكن تسميته: “انهيار المعنى”

وهنا يصبح السؤال وجوديًا: لماذا يحدث كل هذا أصلًا؟

وحين يغيب الجواب… لا يعود الإنسان يسأل. بل يكتفي بالنجاة.

 

سابعًا: قراءة “الجسر والمورد” للظاهرة

وفق رؤية الجسر والمورد، فإن ما يجري لا يمكن فهمه كحرب فقط…بل كتحول بنيوي في علاقة الإنسان بالدولة، وبالآخر، وبالمكان ، ويمكن تلخيصه في ثلاث دوائر:

○ تفكك المجال السياسي مرده غياب المرجعية

○ تفكك المجال الاقتصادي يرجع إلى اقتصاد ظل و والاقتصاد الموازٍ

○ تفكك المجال الاجتماعي سببه انقسام الهوية والمعنى

وهكذا يصبح العنف ليس نتيجة…

بل آلية لإعادة تشكيل الواقع نفسه.

 

ثامنًا: هل يمكن الخروج من داخل العنف؟

السؤال الأصعب ليس كيف بدأنا ، بل كيف نخرج دون أن نعيد إنتاجه بشكل جديد؟ فأي خروج حقيقي يحتاج إلى:

• إعادة تعريف الإنسان الآخر خارج منطق الحرب

• إعادة بناء الدولة كمرجعية لا كطرف

• إعادة تأسيس الاقتصاد خارج اقتصاد الحرب

والأهم: إعادة بناء المعنى المشترك

لأن السلام ليس توقف إطلاق النار فقط… بل عودة القدرة على رؤية الآخر إنسانًا كاملًا لا وظيفة في الصراع.

#أصل_القضية: حين يصبح السؤال بداية الطريق

في ذكرى ١٥ أبريل…

لا يبدو المشهد مجرد ذكرى حرب، بل مرآة طويلة لسؤال واحد:

ماذا يحدث للإنسان حين يفقد قدرته على رؤية “الإنسان الآخر”؟

ربما لا يملك هذا المقال إجابة نهائية… لكنه يحاول أن يفعل شيئًا أهم وهو أن يعيد فتح السؤال. لأن الخطر الأكبر ليس في العنف ذاته…بل في اللحظة التي نتوقف فيها عن محاولة فهمه.

وهنا بالضبط #أصل_القضية…

وهنا يمكن أن يبدأ الطريق الآخر.

‫شاهد أيضًا‬

التحليق وسط الزحام.. ما بين العرفان والخذلان

من لم يشكر الناس لم يشكر الله. هكذا دأب الخلق في تدبيج شكرهم للغير، سواء كان ذلك الشكر إطر…