‫الرئيسية‬ مقالات الحوار السوداني ـ سوداني… الطريق لبناء وطنٍ يتّسع للجميع
مقالات - ‫‫‫‏‫17 دقيقة مضت‬

الحوار السوداني ـ سوداني… الطريق لبناء وطنٍ يتّسع للجميع

إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

في اللحظات التي تتكاثر فيها البنادق، يصبح الصوت العاقل فعلاً من أفعال المقاومة الوطنية، وتغدو الكلمة الحرة خندقاً أخيراً لحماية ما تبقّى من روح البلاد. وحين تتشظّى الخرائط داخل النفوس قبل الجغرافيا، لا يبقى أمام الشعوب إلا أن تعود إلى أصل الحكاية الكبرى: من نحن؟ وكيف نريد أن نعيش؟ وكيف نحفظ لهذا الوطن اسمه من السقوط في دفاتر الأمم المنهكة؟

السودان اليوم لا تنقصه الشجاعة، بل تنقصه المسافة الكافية بين الغضب والحكمة. فكل الأطراف تتحدث وكأن الحقيقة وُلدت داخل خنادقها وحدها، بينما الحقيقة الأكبر أن الوطن يتآكل كلما ارتفعت نبرة الإقصاء، وانخفض منسوب الحوار. فالأوطان لا تموت دفعةً واحدة، وإنما تموت حين يفقد أبناؤها القدرة على الاستماع لبعضهم البعض.

لقد أثبت التاريخ أن الحروب لا تبني أوطاناً، وإنما تؤجل سقوطها. وأن الرصاص قد يفرض صمتاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً. وحده الحوار القادر على إعادة تعريف الدولة باعتبارها ملكاً للجميع، لا غنيمة لطرف، ولا امتيازاً لجماعة، ولا إرثاً سياسياً لقبيلة أو جهة أو بندقية.

إن فكرة “الحوار السوداني ـ سوداني” ليست شعاراً سياسياً للاستهلاك الإعلامي، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من روح هذا البلد العظيم. فالسودان لا يُستورد حل من الخارج، ولا تُكتب خرائطه في الفنادق البعيدة، لأن الشعوب التي تنتظر حلول الآخرين تظل رهينة لأجنداتهم، وتفقد بالتدريج ثقتها في نفسها وفي قدرتها على صناعة مصيرها بيديها.

ومن هنا تبرز أهمية أي مبادرة وطنية تُقدَّم باعتبارها مادة للنقاش لا وصاية على الناس. وفي هذا السياق، فإن المؤتمر الوطني حين يطرح أجندة المستقبل اليوم واليوم التالي كمبادرة مفتوحة، لا باعتبارها إجابة نموذجية مكتملة للحل، فإنه يفتح باباً يمكن أن يدخل منه الجميع إلى ساحة التفكير الوطني المشترك. فليت كل الأحزاب والقوى السياسية تتخلى عن متلازمة الرفض الجاهز تجاه قضايا السودان، وتتقدم بأجندتها ورؤاها وأفكارها كمادة للحوار، يُؤخذ منها ويُرد، لأن الوطن لا يُبنى بعقلٍ واحد، ولا تُنقذ أمةٌ كاملة بمنطق الاحتكار السياسي أو الفكري.

إن المطلوب اليوم ليس تسجيل المواقف، بل صناعة المستقبل. وليس المطلوب أن يهزم طرفٌ طرفاً آخر، بل أن ينتصر السودان على أزمته التاريخية. فالمهم هو الجلوس المنتج على طاولة التفكير السوداني، حيث يناقش السودانيون قضايا السودان باعتبارها شأناً يخصهم هم أولاً وأخيراً، بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي كثيراً ما تتغذى على انقسامات الداخل. فكلما اتسعت مساحة الفراغ الوطني، تمدد الأجنبي داخل تفاصيل المشهد، وتحولت الأزمة من شأن داخلي إلى سوق مفتوحة للمصالح الدولية والإقليمية.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن يفقد السودانيون ثقتهم في العقل السوداني نفسه. لأن الأمم العظيمة لا تنهض إلا حين تؤمن بقدرتها على إنتاج الحلول، وصناعة التسويات، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة لا وقود صراع. فالسودان الذي أنجب هذا التاريخ الطويل، وهذه الحيوية الاجتماعية والثقافية والسياسية، ليس عاجزاً عن إنجاب مشروع وطني جديد إذا صدقت النوايا وعلت الحكمة فوق ضجيج المعارك.

إننا بحاجة إلى مائدة وطنية لا تُقصي أحداً، يسمع فيها الجميع بعضهم البعض، لا ليهزموا خصومهم بالكلمات، بل لينقذوا أبناءهم من مستقبلٍ يتغذّى على الكراهية والانقسام. فالأوطان لا تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما بمنطق الشريك والمسؤولية المشتركة.

وليعلم الجميع أن أخطر ما يهدد السودان ليس اختلاف السياسيين، بل تحوّل الاختلاف إلى قطيعة وطنية دائمة. حينها يصبح الوطن مجرد مساحة للحرب المفتوحة، وتصبح الأجيال القادمة ضحايا لأحقاد لم تصنعها، وورثةً لخرابٍ لم يشاركوا في صناعته.

الحوار الحقيقي لا يعني الضعف، بل يعني الشجاعة الأخلاقية. لأن الجلوس إلى طاولة الوطن أصعب من الوقوف خلف متاريس الحرب. والعقلاء وحدهم هم الذين يدركون أن التسويات الوطنية ليست هزائم، وإنما انتصارات مؤجلة للوطن.

السودان أكبر من الجميع… أكبر من الأحزاب، وأكبر من البنادق، وأكبر من الطموحات الشخصية الضيقة. السودان فكرة حضارية عظيمة، إذا سقطت فلن يسقط مكان فقط، بل ستسقط ذاكرة أمةٍ كاملة، وسينطفئ جزء من الضوء العربي والإفريقي في هذه المنطقة من العالم.

لهذا فإن البوصلة الوطنية اليوم يجب أن تتجه نحو مشروع جامع، يعيد بناء الثقة، ويؤسس لدولة العدالة والمواطنة، دولة لا يُسأل فيها الإنسان: من أين أتيت؟ بل ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟

وفي زمن الضجيج، يبقى الرهان على العقلاء… أولئك الذين يعرفون أن الوطن لا يُربح بالحرب، وإنما يُربح بالتوافق، والإرادة، والقدرة على العبور فوق الجراح نحو مستقبلٍ يستحقه السودانيون جميعاً.

فليكن الحوار بداية الطريق… لا نهايته.

وليكن السودان وطناً يتّسع للجميع، لا ساحةً يضيق فيها الجميع.

‫شاهد أيضًا‬

لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الحرب أشواق الصحفيين تتفجر مودة خلال معايدة عيد الأضحى

لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الحرب، احتشد عشرات الصحفيين، حاملين بين ضلوعهم الأشواق والمودة …