‫الرئيسية‬ مقالات داليا إلياس حين يكون الاعتذار شجاعة لا يُتقنها إلا الكبار
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

داليا إلياس حين يكون الاعتذار شجاعة لا يُتقنها إلا الكبار

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

ليس الخطأ هو القضية، فكلُّ بني آدم خطّاء، ولكن القضية الحقيقية: من يملك شجاعة الاعتراف، ومن يختبئ خلف المكابرة. وهنا تتجلى قيمة المواقف، لا في لحظة الزلة، بل في لحظة الرجوع.

لقد وقفتُ متأملًا موقف الصحفية داليا إلياس، فوجدتُ فيه درسًا مهنيًا وأخلاقيًا ينبغي أن يُدرّس لا أن يُمرّ مرور الكرام. أخطأت — نعم — لكنها لم تُصرّ، ولم تُبرر، ولم تُلقِ باللوم على غيرها، بل واجهت الخطأ بشجاعة، وقدّمت اعتذارًا علنيًا يليق بصاحبة مهنة تدرك أن الكلمة أمانة لا لعبة.

وهذا هو الفارق بين من يمارس الصحافة كرسالة، ومن يتعامل معها كمنصة للسبق ولو على حساب الحقيقة.

لقد جاء التوجيه الرباني واضحًا لا لبس فيه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وهو أصلٌ في التثبت، لا يُعذر في تركه من يتصدر نقل الأخبار، خاصة إذا تعلقت بمؤسسات سيادية تمس أمن المجتمع واستقراره.

وقال النبي ﷺ:«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم)، فكيف بمن ينشر قبل أن يتحقق، ويُشيع قبل أن يتثبت؟

ومع ذلك فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، بل هو منقبة لا تُسجَّل على صاحبها، بل تُرفع بها منزلته، لأن الاعتذار الصادق ليس تراجعًا، بل تصحيحٌ للمسار.

وإن استجابة داليا إلياس لمثولها أمام النيابة العامة، لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل كانت إعلانًا صريحًا لتحمّل المسؤولية، وهو سلوكٌ يندر في زمنٍ يهرب فيه كثيرون من تبعات الكلمة.

وهنا لا بد من قول كلمة حق:

إن هذه الخطوة الشجاعة، وهذا الاعتذار الصادق، يضعان ما حدث في موضعه الصحيح: زلة مهنية غير مقصودة، لا تُعبّر عن موقف، ولا تنقض أصل الانتماء.

أما جيشنا — ذلك الكيان الذي وقف مع شعبه في أحلك الظروف — فليس من طبيعته أن يتشفى، ولا من أخلاقه أن يُصعّد مع من اعتذر وتراجع، بل هو أدرى بقيمة من وقف معه، وأوعى بميزان العدل والإنصاف. وقد قال الله تعالى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]،وقال سبحانه:﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237].

فالكرم الحقيقي يظهر عند القدرة، لا عند العجز، والعفو شيمة الأقوياء لا الضعفاء.

إن ما فعلته داليا إلياس اليوم، يجب أن يكون درسًا لكل صحفي أن السبق ليس في النشر، بل في الدقة،وأن الجرأة ليست في الطرح، بل في الاعتذار، وأن المهنية ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُثبت.

ووصيتي الصادقة لكل من يحمل القلم تثبّت قبل أن تنشر، وتبيّن قبل أن تحكم،فالكلمة قد تبني وطنًا وقد تُشعل فتنة.

وفي الختام لن تسقط داليا إلياس بزلةٍ غير مقصودة، بل قد ترتفع بها لأنها اختارت الصدق طريقًا، ولم تركن إلى العناد فالتحية لها على شجاعتها، والتحية لجيشنا الذي يبقى — كما عهدناه — سندًا لا خصمًا، وعفوًا لا انتقامًا وستبقى الحقيقة ثابتة الخطأ يُغتفر أما الإصرار عليه فهو السقوط الحقيقي.

‫شاهد أيضًا‬

الطيب الجد ود بدر حين يُحاكم التصوف إلى الكتاب والسنة

استمعتُ إلى مقطع فيديو نادر للشيخ الطيب الجد ود بدر – رحمه الله – وهو يتحدث عن التصوف، فاس…