عقولٌ تبني الركام: الابتكار كقدر حتمي لنهضة السودان
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في الحادي والعشرين من أبريل من كل عام، يطل علينا اليوم العالمي للإبداع والابتكار، لا كاحتفالية بروتوكولية عابرة، بل كصرخة وعي عالمية تطلقها الأمم المتحدة للتذكير بأن الأفكار الخلاقة هي الوقود الحقيقي للتنمية المستدامة والرفاه البشري. وإذا كان العالم ينظر إلى الابتكار كأداة لتحسين جودة الحياة، فإننا في السودان نرى فيه طوق النجاة الوحيد، والركيزة الأساسية التي ستقوم عليها معركة “البناء بعد الفناء” في مرحلة ما بعد الحرب.
إن بناء نظام قانوني وموحد للعلوم والتكنولوجيا، وترسيخ الابتكار كركيزة وطنية -كما نادت به التوجهات العالمية المعاصرة- ليس ترفاً فكرياً، بل هو الإطار التشغيلي الضروري لاستعادة الدولة السودانية عافيتها. إن المرحلة المقبلة تتطلب منا الانتقال من عقلية “الإغاثة” إلى عقلية “الابتكار المؤسسي”، حيث يصبح تحويل التحديات الكبرى إلى فرص استثمارية هو النهج السائد في الوزارات، والشركات، والجامعات.
في مرحلة إعادة الإعمار، لن يكفينا مجرد ترميم ما دمرته الحرب بالوسائل التقليدية. نحن بحاجة إلى “ابتكار هندسي” يتبنى مواد بناء محلية ومستدامة، و”ابتكار لوجستي” يعيد تخطيط المدن المنكوبة لتصبح مدناً ذكية ومرنة. الابتكار هنا يعني تقليل الكلفة، وتسريع وتيرة الإنجاز، وضمان استدامة الموارد، وهو ما يتطلب تلاحماً عضوياً بين الدولة والمستثمرين ومراكز البحوث العلمية، لتوطيد علاقة تكاملية تحول الركام إلى عمران يفوق ما كان عليه في السابق.
يمثل التحول الرقمي في السودان “القفزة الكبرى” التي لا تقبل التأجيل. إن تسريع التحول الرقمي ليس مجرد رقمنة للأوراق، بل هو إعادة هندسة شاملة للخدمات الحكومية والقطاع الخاص لضمان الشفافية ومحاربة الفساد وتقديم خدمات تليق بكرامة المواطن. في سودان ما بعد الحرب، يجب أن يكون الابتكار الرقمي هو “المساحة الإبداعية” التي تستوعب طاقات الشباب المهجرين والنازحين، وربطهم بسوق العمل العالمي عبر المنصات الرقمية، وتجاوز القيود الجغرافية التي تفرضها الأزمات.
بينما يخشى العالم من تغول الذكاء الاصطناعي، يجب أن يراه السودان كفرصة لتعويض الفجوات التنموية. إن تطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الزراعة الدقيقة يمكن أن يحول السودان إلى سلة غذاء حقيقية بتقنيات توفر المياه وتزيد الإنتاجية بأقل المجهودات. وفي قطاع التعليم والصحة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصل إلى المناطق النائية التي دمرتها النزاعات، ليقدم استشارات طبية ومناهج تعليمية تفاعلية تتجاوز نقص الكوادر البشرية. إن التسارع التقني الحالي يمنحنا ميزة “اللحاق بالركب” عبر تبني أحدث ما توصل إليه العلم دون المرور بالمراحل الانتقالية الطويلة التي خاضتها دول أخرى.
إن النجاح في هذه المعركة يتطلب بناء “ثقافة ابتكار” تتغلغل في النسيج الاجتماعي، بحيث يصبح الإبداع أسلوب حياة، لا مجرد مادة دراسية. يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تضطلع بدورها في نشر روح المبادرة، والإشادة بالنماذج الناجحة، وتوطين الممارسات الجيدة التي تثبت أن العقل السوداني قادر على اجتراح المعجزات تحت أقسى الظروف.
ختاماً، إن اليوم العالمي للابتكار 2026 يجب أن يكون موعداً مع الذات السودانية، لإقرار أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع نهضة، بل هي العقول المبتكرة التي تدير هذه الموارد. إن الابتكار هو الرد العملي على الدمار، وهو الطريق الوحيد نحو سودان رقمي، متطور، ومستقر، حيث تتحول فيه المعاناة إلى ملهمة للتغيير، والجراح إلى محركات للنمو والازدهار الشامل.
نهر النيل تحسم التأهل في الطائرة وتتألق في ختام تصفيات مهرجان الكرامة الطلابي بعطبرة
اختتمت بمدينة عطبرة تصفيات مجموعة عطبرة ضمن مهرجان الكرامة الطلابي الذي ينظمه الصندوق القو…





