الأرض والبارود: صرخة الطبيعة في سودان الحرب وما بعدها
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تحت شعار “قوتنا، كوكبنا”، يحتفي العالم باليوم الدولي لأمنا الأرض لعام 2026، وهو احتفال لا يأتي هذا العام مجرد مناسبة بيئية نمطية، بل كصرخة أخلاقية وقانونية تضعنا أمام مرآة مسؤوليتنا تجاه الموطن المشترك. وبينما يتحدث العالم عن التحول الأخضر والحد من البلاستيك، يقف السودان في زاوية حرجة من هذا المشهد؛ حيث تندمج الكارثة البيئية بالوجع الإنساني، وتتحول الأرض من مصدر للحياة إلى ساحة لاستنزاف الموارد وضياع المستقبل تحت وطأة الرصاص.
في السودان، لا تقتصر الحرب على تدمير البنية التحتية والنسيج الاجتماعي فحسب، بل تمتد أنيابها لتنهش في جسد “أمنا الأرض”. إن الآثار البيئية المترتبة على النزاع المسلح هي “قنبلة موقوتة” تواجه الأجيال القادمة. التلوث الناجم عن مخلفات الأسلحة، وتسرب المواد الكيميائية، وتدمير الغطاء النباتي بسبب النزوح والاحتياجات المعيشية القاسية، كلها عوامل تسرع من وتيرة التدهور الإيكولوجي.
إن ما حذرت منه التقارير الدولية حول “التدخلات البشرية المفرطة” يتجسد في السودان بأبشع صورة؛ حيث تغيب الرقابة على الموارد الطبيعية، ويصبح الاتجار غير المشروع بالحياة البرية وتجريف الغابات وسيلة للبقاء أو التمويل، مما يزعزع استقرار النظم البيئية التي كانت يوماً ما سلة غذاء المنطقة.
عندما تصمت المدافع، سيواجه السودانيون أرضاً منهكة. لذا، يجب أن تتبدل الرؤية الوطنية من “إدارة الصراع” إلى “إدارة الاستدامة”. إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب نهجاً شمولياً يعتبر التعافي البيئي جزءاً لا يتجزأ من السلم الأهلي. العدالة المناخية في السودان تعني إنصاف المزارعين والرعاة الذين فقدوا أراضيهم، وإعادة تأهيل التربة والمياه التي لوثتها الصراعات.
الطاقة المتجددة التي أشار إليها الخبراء بوصفها المصدر الأرخص للكهرباء، يجب أن تكون هي الركيزة الأساسية لإعادة الإعمار في السودان، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يثقل كاهل الاقتصاد ويدمر البيئة في آن واحد.
على مستوى المجتمع المحلي، تبرز حملة “تحرك الآن” كخريطة طريق حيوية. المطلوب من المواطن السوداني، رغم قسوة الظروف، هو إدراك أن حماية مورده المائي الصغير أو شجرته القريبة هي فعل من أفعال المقاومة والبقاء. إن المبادرات الشعبية لزراعة الأشجار في مراكز النزوح، وترشيد استخدام المياه في ظل الشح، ودعم الممارسات الزراعية المستدامة، هي التي ستصنع الفارق في استعادة توازن الأرض.
أما الإعلام، فدوره اليوم يتجاوز نقل أخبار المعارك ليصبح “حارساً للأرض”. على المؤسسات الإعلامية في السودان والمنطقة تسليط الضوء على “جرائم البيئة” أثناء النزاع، وتوثيق أثر الحرب على التنوع البيولوجي، ورفع الوعي البيئي ليس كرفاهية، بل كضرورة أمنية وغذائية مرتبطة باستقرار المجتمع، مع دعم المبادرات الشبابية التي تسعى لاستخدام التكنولوجيا في مراقبة التصحر أو تنظيف المدن من مخلفات الحرب.
ختاماً، إن الأرض تدق ناقوس الخطر، وفي السودان، يمتزج صوت هذا الناقوس بدوي المدافع. إن شعار “قوتنا، كوكبنا” يعني أن القوة الحقيقية للسودانيين تكمن في الحفاظ على ما تبقى من ثرواتهم الطبيعية واستعادتها. التصالح مع الأرض هو الخطوة الأولى والأساسية نحو التصالح مع الذات وبناء مستقبل مستدام للأجيال التي تستحق أن ترث وطناً أخضر، لا رماداً.
تحول الشعارات إلى بدائل عن التفكير
الشعار لا يُخطئ… لكن الخطأ أن نكتفي به ، ويبقى السؤال: كيف نختبر الشعار… قبل أن يقودنا في …





