‫الرئيسية‬ مقالات النهود.. عامٌ على الجرح النازف ورحيل “البدر” الذي لم يطق عيشاً دون كرامة داره.
مقالات - ‫‫‫‏‫50 دقيقة مضت‬

النهود.. عامٌ على الجرح النازف ورحيل “البدر” الذي لم يطق عيشاً دون كرامة داره.

اللازم السفير  واقع معاش 

​عامٌ مضى ولا تزال الذكريات الحزينة تفرض حضورها اليومي القاسي، وكأن ليلة حصار النهود تأبى أن تغادر مخيلة من عاشوها، تلك الليلة التي كان فيها المواطنون يتمسكون بآخر حبال الأمل في الانتصار، قبل أن يتغير المشهد كلياً وتنكشف النوايا الغادرة، حيث بدأ العدو بتدوين المدينة بالمدفعية الثقيلة التي كانت أصواتها غريبة ومنكرة على إنسان النهود المسالم، في وقت كانت فيه المدينة تمثل الملاذ الوحيد والآمن في غرب السودان، وتضم بين جناحيها آلاف النازحين من معظم ولايات الغرب ومحليات غرب كردفان، لدرجة أن المعسكرات وحدها كانت تأوي نحو أربعين ألف نازح يتلقون المعينات الطبية والخدمات الضرورية، حتى غسيل الكلى الذي كانت المدينة تنفرد بتقديمه في تلك الظروف الصعبة.
​وقبل أن تشرق شمس الصباح، وبالرغم من أن المدينة لم يذق فيها أحدٌ طعم النوم بسبب الأصوات المروعة والأضواء الكاشفة التي كانت تلمع في السماء كبرق المطر في ليالي الخريف المظلمة، ظل الترقب سيد الموقف والأنباء الواردة عن العدو لا تطمئن أحداً، فقد أحاط المتمردون بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وتدفقت أرتالهم عبر القرى المحيطة بأعداد تفوق الألف عربة، بينما ساهمت الشائعات والحرب الإعلامية في محاولة إحباط الروح المعنوية، مما دفع المواطنين في تلك الليلة لمغادرة منازلهم لتفقد ذويهم لعلهم يجتمعون في مكان واحد يواجهون فيه القدر المحتوم.

 

​ومع الساعات الأولى لشروق الشمس، بدأت أصوات الأسلحة ترعد وأعمدة الدخان تتصاعد من الأطراف الغربية للمدينة، لتمتزج بصرخات النساء والأطفال الذين أحسوا بالخطر الداهم، حيث كانت المواجهة الأولى التي لم يستسلم فيها المستنفرون رغم ضراوة الهجوم، إلا أن الدفاعات تكسرت أمام كثرة العدو وفارق السلاح والآليات المصفحة التي لم تترك شبراً في أرض المدينة إلا وملأته بالرصاص، حينها لم يكن أمام الجميع سوى الاستلقاء على الأرض خلف الجدران التي لا يخترقها الرصاص الخفيف، بينما كانت سيارات الدفع الرباعي تنتشر كالنار في الهشيم، تحمل مسلحين بوجوه غريبة متعطشة للقتل والنهب، يضمرون حقداً دفيناً للنهود التي كانت عصية عليهم ومنالاً صعباً لا يُطال.

 

وفي خضم ذلك الرعب والدمار، برزت صورة الأمير الشهيد العم عبد القادر منعم منصور، الذي رفض مغادرة المدينة أو الانسحاب من داره رغم اشتداد الرصاص، فكان ذكره حاضراً في القلوب كحاضر في الميدان، مستحضراً شموخ الشاعر أبو فراس الحمداني حين وقع في الأسر وقال: (أصيحابي الفرار أو الردى؟ فقلت هما أمران أحلاهما مرُّ)، فقد اختار الأمير الموت على الفرار، ومضى إلى ما لا يعيبه، واضعاً نصب عينيه أن الموت حق لكن الذكرى العظيمة لا تموت، واليوم حقاً وفي هذه الليلة الظلماء يفتقد أهل النهود والسودان ذلك البدر، ورحم الله الشهداء من الجنود الذين سقطوا في خط الدفاع الأول، ورحم الله المواطنين الأبرياء وكل من فقدناهم في معارك الشرف والكرامة، فستظل النهود رغم الجراح شامخة بذكرى رجالها الذين لم يبيعوا كرامتهم بالسلامة.

‫شاهد أيضًا‬

السوداني… حين يقبل الآخر وحين يضيق به

ليست المعضلة في السودان أن الناس لا يتعايشون… بل أن هذا التعايش لا يجد ما يحميه حين يُختبر…