الأرض تموت ببطئ
عوض الكريم إبراهيم محمد ابراهيم

مروي لا تحمل السلاح في وجه دولتها، ولا تعرف الابتزاز ولا الفوضي، ولم تكن يوما مدينة متمردة أو خارجة عن الصف، وإنما كانت دائما أرض الرجال والصبر والكرامة.
لكن للصبر آخر، وللقهر نهاية، وللصمت حين يطول انفجار لا يبقي ولا يذر.
مروي اليوم لا تطرق أبواب الدولة طلبا للترف، ولا تسأل رفاهية أو امتيازات، وإنما تستجدي أبسط حقوق الحياة: كهرباء تحفظ الزرع، وماء ينقذ النخيل، وحكومة تشعر بأن خلف هذه الأرض بشرا يختنقون كل يوم.
الموسم الماضي ضاع، ووزبل ومرض النخيل عطشا، وضعف إنتاج البلح بصورة أدمت القلوب، وهذا العام الكارثة أكبر وأوسع وأقسي.
النخيل الذي ظل واقفا لعقود في وجه الريح والجفاف أصبح هزيلا منكسا، والمزارع التي كانت تضج بالحياة تحولت الي أرض يباب، لا خضرة فيها ولا ماء ولا روح.
والمزارع المسكين لا يبكي علي محصول ضاع، وإنما يبكي علي ديون تراكمت لا يعلم من أين تحل ، وأسر تنتظر، ومستقبل صار مظلما كليل الكهرباء الذي يخنق الولاية.
وفي المقابل، يقف الوالي وكأن ما يحدث مجرد عطل عابر، يدشن منصة هنا ويفتتح مدرسة هناك، ثم ينصرف، وكأن الكهرباء قضية هامشية لا تعني حياة الناس ولا موتهم.
أي استخفاف هذا؟
وأي برود يمكن أن يملكه مسؤول وهو يري ولاية كاملة تنهار أمام عينيه؟
كنا ننتظر واليا يحمل هم الناس، لا واليا يكتفي بالمواكب والصور والخطب
كنا ننتظر أن يذهب بنفسه الي السد، وأن يعسكر هناك مع حكومته لا يبرحون حتي تعود الكهرباء، لا أن يجلس في المكاتب المكيفة بينما المزارعون يدفنون أحلامهم في التراب اليابس.
كنا ننتظر سلطة تتحرك بقوة الطوارئ، تستنفر الدولة، وتحضر المولدات والمحولات، وتفتح كل الأبواب المغلقة، ولا هذا الصمت البارد والعجز المخزي.
كنا نريد وزيرا للبني التحتية لا موظفا غائبا عن المأساة.
كنا نريد وزير زراعة يركض بين الخرطوم وحلفا وبورتسودان لإنقاذ الموسم قبل موته، لا مسؤولين اكتفوا بالمشاهدة وكأن الأمر لا يعنيهم.
لقد خذلتم الناس.
خذلتم المزارع الذي أفني عمره في الأرض.
خذلتم التاجر الذي توقفت تجارته.
خذلتم العامل الذي انقطع رزقه.
خذلتم الرجال الذين رأينا الدموع في أعينهم لأول مرة، ليس خوفا من الفقر وحده، وإنما خوفا من الانكسار بعد عمر من الكرامة والكفاح.
مهندسو السد يقاتلون فوق طاقتهم، ويبذلون ما يستطيعون، لكنهم تُركوا وحدهم في معركة أكبر من الإمكانيات.
وهنا تتجلي الفضيحة الحقيقية:
دولة كاملة عاجزة عن توفير كهرباء مستقرة لولاية تقوم عليها الزراعة والاقتصاد والحياة.
فما فائدة المناصب إذن؟
ما فائدة والي لا يستطيع حماية اقتصاد ولايته؟
ما فائدة وزير لا يملك قرارا ولا حلا ولا حتى إحساسا بحجم الكارثة؟
ولماذا يدفع الناس الضرائب والرسوم إذا كانت الدولة تقف عاجزة حين تأتي لحظة الواجب؟
أما كان أشرف للوالي أن يستقيل إذا عجز عن إنقاذ الولاية؟
أما كان أكرم له أن يغادر بدلا من مشاهدة الزروع تموت والأسواق تنهار والناس تغرق في اليأس؟
اليوم الأسواق خاوية، والمتاجر شبه مغلقة، والحياة متوقفة، لأن الكهرباء ليست رفاهية كما يظن بعض المسؤولين، وإنما شريان حياة كامل.
وحين تعجز الدولة عن حفظ أبسط حقوق الناس، فإنها تدفعهم دفعا نحو الغضب، وتزرع في النفوس شعورا خطيرا بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الموت البطيء.
سيدي الوالي…
هذه ليست رسالة غاضبة وليست كلمات غضب مؤقت
هذه صرخة شعب أنهكه الصبر، وأرهقه الانتظار، وخنقته الوعود الفارغة.
لم نطلب المستحيل.
لم نطلب القصور ولا المواكب ولا الشعارات.
طلبنا فقط أن تعود الكهرباء…
أن تعود الحياة…
أن لا يموت إنسان الشمال عطشا وفقرا وقهرا في أرض كانت يوما منبعا للخير والصبر والكبرياء.
فإما أن تتحملوا مسؤولياتكم كاملة، أو تتركوا هذه المناصب لمن يملك القدرة والشجاعة والإرادة ويستطيع ان يحدث اختراق في إعادة امل الحياة ( الكهرباء) من جديد الي أهل الولاية
اليوم الخميس الموافق 2026/5/7
محلية مروي تنقاسي الرويس
معركة الكرامة مع الخارج في المقام الأول لذلك نحتاج عقد اتفاقيات التعاون العسكري
معركة الكرامة ليست ضد مليشيا متمردة على الجيش والدولة السودانية ، فالمليشيا عنصر وظيفي من …





