اهل الفزعة والنخوة العمدة العوض كدودة مثالا
د. ابوعبيدة محمد السيد الكودابي

الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على قضائه وقدره، له ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رسول الرحمة والإنسانية، القائل:
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».
أما بعد:
ففي أزمنة الشدة تتجلى معادن الرجال، وتتكشف القيم التي لا تصنعها الخطابات بل تصوغها المواقف. وحين تضيق الأرض بما رحبت، يبقى التكافل هو المعنى الأصدق للإنسانية، وتبقى الفزعة عنوانًا لأصالة هذا الشعب وكرامته.
في صحراء القوز بمنطقة جبل الحسانية غرب شندي، وقعت حادثة أليمة راح ضحيتها عدد من أبناء الكباشي ، الذين انقطعت أخبارهم وسط صحراء قاسية تمحو فيها الرمال كل أثر.
وبعد أيامٍ من البحث المضني، تم العثور على السيارة وقد غمرتها الرمال، ثم تتابعت عمليات البحث حتى عُثر على الجثامين في مواقع متفرقة ومتباعدة،
وقد عثر علي الجثمان الأول ودفن يوم ٦ مايو ٢٠٢٦م، ثم الثاني يوم ٧ مايو ٢٠٢٦م، ثم الثالث يوم ٨ مايو ٢٠٢٦م، بعد جهود بحث متواصلة شارك فيها أبناء المنطقة وفرق الفزعة في ظروف صحراوية بالغة القسوة.
وفي هذه اللحظات العصيبة، برزت ملحمة إنسانية عظيمة قادها أهل الكَمَر بقيادة العمدة العوض ود كدودة، الذين جسّدوا معنى الفزعة الحقيقي، ففتحوا بيوتهم ودواوينهم، وسخّروا إمكانياتهم كلها لخدمة البحث والوافدين.
لم يكن دورهم استقبالًا فقط، بل مشاركة كاملة في الميدان؛ خرجوا مع فرق البحث، وأرشدوا الطرق، وقدموا الماء والزاد، وتكفلوا بالإيواء والإطعام، حتى غدت الصحراء وكأنها ساحة كرم لا ساحة قسوة. وكان من صور التواضع البالغة أن شارك أبناء العمدة أنفسهم في خدمة الوافدين والعمل داخل المعسكر.
وجرت مراسم غسل الجثامين في بيت العمدة بالكَمَر، ثم وُوريت الثرى بمقابر علي كدودة، وسط حضور واسع من الأهالي وفرق البحث والمتطوعين، في مشهد امتزج فيه الحزن بالوفاء، والفقد بالإكرام.
كما شارك في هذه الملحمة الإنسانية كيان أبناء الشايقية بجنوب المتمة وريفي شمال امدرمان وكل قبائل المنطقة ومرشدي الصحراء، في نموذج متكامل للتكافل والتعاون.
وهذا المعنى الذي تجسد في الواقع هو من صميم الدين، فقد قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
— المائدة: 2
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
— الحجرات: 10
وقال تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
— الحشر: 9
وقال رسول الله ﷺ:
«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»
وقال ﷺ:
«من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة»
لقد أثبتت هذه الحادثة أن الكرامة الإنسانية لا تموت في الصحراء، وأن أهل السودان إذا نزلت بهم الشدائد صاروا جسدًا واحدًا، وأن الفزعة ليست شعارًا بل سلوكًا متجذرًا في النفوس.
رحم الله:
عمر المكاشفي الرقيق
محمد محي الدين حسين
إبراهيم الماحي الشيخ محمد
وجزى الله أهل الكَمَر والقري المجاورة وكل من شارك وساهم وبذل خير الجزاء، وكتب ذلك في ميزان حسناتهم، وجعل هذا العمل شاهدًا على أن الخير في هذه البلاد لا يزال حيًا لا يغيب.
تعازينا لأهلنا في الكباشي ولاسر المتوفين وانا لله وانا اليه راجعون.
8/5/2026
صرخة دارفور في قلب باريس: عندما تكسر الحقيقة جدار الصمت الدولي
Ghariba2013@gmail.com لم تكن قاعة اللقاء التضامني في بورتسودان مجرد مساحة لتبادل عبارات ال…





