عدنا جميعا… إلا أنتم
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي

أصدرت سلطة الطيران المدني السودانية الخميس نشرة الطيارين “NOTAM” التي قضت بإعادة فتح الأجواء السودانية أمام حركة الطيران الدولي من وإلى مطار الخرطوم، في خطوة تُعد من أهم التحولات السياسية خلال المرحلة الراهنة، إذ تعني عمليًا استعادة المجال الجوي لوظيفته الطبيعية بعد فترة من التوقف الذي فرضته الحرب وتحدياتها.
هذا التطور المهم، تلاه تأكيد من رئيس الوزراء على الاطمئنان إلى جاهزية مطار الخرطوم واستئناف عمله بكامل طاقته، بما يشير إلى اهتمام الحكومة بربط البلاد مع الخارج، وإعادة عمل مؤسسات الدولة داخل العاصمة بعد سنوات من الحرب الوجودية التي استنزفت الطاقات. كما أعلن الناقل الوطني “سودانير” استئناف الرحلات الى الخرطوم من جديد.
في موازاة ذلك، قدّمت تقارير منظمة الهجرة الدولية، أشارت إلى عودة أكثر من 1.6 مليون شخص إلى ولاية الخرطوم حتى مطلع عام 2026، ضمن موجة عودة واسعة تشمل ملايين النازحين على مستوى البلاد. هذه الأرقام تُقرأ، باعتبارها بداية إعادة تشكيل للنسيج الاجتماعي للعاصمة.
كذلك أعلنت شركة زادنا، عن دعم مشروع العودة الطوعية بمساهمة أولية بإعادة 3000 سوداني من الخارج، ضمن جهودها الوطنية في الاستقرار وتمكين العائدين من العودة للبلاد.
لكن ما يمنح هذه المؤشرات معناها الحقيقي هو ما التقطناه من مشاهد ميدانية بالأمس، خلال جولة امتدت لساعات مع عدد من الأصدقاء بين نمرة 2، والعمارات، والطائف، والرياض، وكافوري، بدأ المشهد وكأنه يقدّم واقع مختلف. شوارع هادئة، حركة محدودة، مبانٍ واقفة بكاملها، وأحياء ما تزال تتنفس بحذر، كأنها لم تستكمل بعد قرار العودة للوطن.
بعض الشرفات مغلقة، وبعض الجدران ما تزال تحمل أجهزة تكييف تركها أصحابها كأنهم غادروها بالأمس، فيما لا تزال آثار الحرب حاضرة في المظهر العام، كعلامات شاخصة تنتظر الإنسان ليعيد تعريف المكان.
وعلى النقيض من ذلك، بدأ المشهد في أم درمان أكثر كثافة وحيوية. من الأسواق القديمة إلى أحياء الثورة وأم بدة، وكذلك أجزاء واسعة من بحري، بدت الحركة اليومية أكثر اندفاعًا، والأسواق أكثر ازدحامًا، وكأن المجتمع هناك قرر استعادة إيقاع الحياة بمجرد اكتمال حدها الأدنى من الأمان. هذا التفاوت يعكس تباينًا أكبر في مستويات الثقة بمرحلة التعافي.
ومن هنا، يصبح فتح مطار الخرطوم ومزاولة أعماله إشارة نفسية وسياسية مؤثرة في وعي المجتمع. فبالنسبة لقطاعات واسعة من السودانيين، ظل “فتح المطار” يمثل العتبة الأخيرة لعودة العاصمة إلى صورتها الطبيعية، لأن ذلك يؤكد أن المدينة استعادت اتصالها بالعالم .
لكن الأهم من ذلك أن هذه اللحظة تكشف طبيعة التعافي في الدول الخارجة من النزاعات: فهو مستويات متداخلة. أول تقوده الدولة عبر قراراتها الحكومية ،مثل فتح المجال الجوي وإعادة تشغيل المطار. وثاني يقودها المجتمع عبر العودة التدريجية إلى الحياة اليومية. و ثالث تحدده الإشارات الكبرى التي تعيد تعريف معنى الاستقرار في الوعي الجمعي للسودانين .
وبين هذه المستويات تتشكل الخرطوم الجديدة، مدينة تعود بثقة، لكنها بالتأكيد ،لا تتطابق مع صورتها السابقة، بل تعيد إنتاج ذاتها ببطء حذر وبأشكال مختلفة.
ومع ذلك، فإن التحليل السياسي التنموي لا يكتمل ما لم ينتقل من الوصف إلى المسؤولية. فالمؤشرات الإيجابية، على أهميتها، تظل ناقصة ما لم تتحول إلى سياسات خدمية ملموسة. إن عودة المواطنين إلى الخرطوم لا تتوقف عند حدود الشعور بالأمان، بل تتطلب تسريع وتيرة استعادة خدمات المياه والكهرباء في عموم العاصمة، باعتبارها الشرط الأولي لأي استقرار. وهي مسألة مهمة لدى فئات اعتادت مستوىً أعلى من الخدمات.
كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عمليات ترميم متفرقة، بل كتحول شامل يعيد بناء الخرطوم وفق رؤية جديدة، تستوعب دروس الحرب وتعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان والدولة. لذلك من المهم صدور إعلان واضح لعودة العاملين في الدولة إلى مقارهم داخل الخرطوم وكافة المرافق العامة، لأن انتظام الجهاز الحكومي هو العصب الذي يحدد قدرة الدولة على التحول من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة الاستقرار.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن الخرطوم لم تعد مدينة تبحث عن إشارات العودة، بل مدينة بدأت تستعيد عافيتها بالفعل. عاد كثيرون، وعاد المطار، وعادت المؤسسات والأسواق ، لكن الصورة ما تزال تنتظر اكتمالها. ولهذا، تبدو الخرطوم وكأنها تقول لأولئك الذين ما زالوا يربطون قرارهم باكتمال كل التفاصيل: لقد عدنا جميعًا…إلا أنتم. فتعالوا لإكمال المشهد.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 10 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
صرخة دارفور في قلب باريس: عندما تكسر الحقيقة جدار الصمت الدولي
Ghariba2013@gmail.com لم تكن قاعة اللقاء التضامني في بورتسودان مجرد مساحة لتبادل عبارات ال…





