‫الرئيسية‬ مقالات أن أوان البرلمان
مقالات - ‫‫‫‏‫44 دقيقة مضت‬

أن أوان البرلمان

حسن النخلي يكتب   التحليق وسط الزحام 

لقد اتضح جليا الدور المتعاظم لضرورة قيام البرلمان إثر صدور قرار تكوين هيئة للنزاهة ومكافحة الفساد، فبينما تمضي الدولة في أعمالها . والسلطة التنفيذية تتحرك وتنفذ، في حين تظل حلقات البناء المؤسسي الأخرى معطلة بلا قانون يضبط الحدود ولا منبر يراجع القرار ولا سند شعبي يسند الموقف عند الأزمات. وفي ظل هذا الفراغ تنشأ هياكل بقرارات إدارية سريعة، فتظهر مؤسسات بلا جزر دستوري ولا آلية مساءلة تعيدها للصواب عند الإنحراف.

 

فالبرلمان ليس مجرد أداة رقابة فحسب ، بل حلقة الوصل بين الدولة ومجتمعها ومصدر الشرعية التي تمنح القرارات قوة النفاذ. داخلياً يحوّل الخلاف السياسي إلى نص قانوني، ويضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم عبر تشريع ينشئ الهيئات ويحدد صلاحياتها ويمسك خيط المساءلة، لكيلا تتحول السلطة التنفيذية إلى سلطة مطلقة. خارجياً يشكل الدرع السياسي الذي ترد به الدولة التدخل الأجنبي، لأن ارتباط رأس الدولة بقواعد جماهيرية ممثلة في برلمان توافقي أو منتخب يجعل أي عدوان مواجهة بين دولة ومجتمع لا بين فرد وسلطة، فيرتفع كلفة التدخل ويتوحد الموقف الوطني.

 

إن غياب البرلمان يقطع هذه الحلقات: فتُنشأ الهيئات بقرارات تنفيذية بلا سقف قانوني، وتعمل الأجهزة بلا مساءلة إلا لمن عيّنها، ويصدر القرار في الغرف المغلقة فيفقد شرعيته الواسعة، ويصبح رأس الدولة مكشوفاً للضغوط الخارجية بلا سند شعبي. فتدخل الدولة معاركها ناقصة العدة، تعالج الأعراض وتترك الأسباب، وتدفع من هيبتها وسيادتها ثمن الفراغ المؤسسي.

 

نحن لسنا ضد قيام ھذة الهيئة اوغيرھا ، لكن بحسب المؤسسية والدستور يجب أن تخرج مثل هذه الهيئة أو غيرها من رحم البرلمان لضمان جودة الأداء وتحديد المهام والصلاحيات، وفصل السلطات عن بعضھا البعض و وضع الضوابط المؤسسة لھا حتى تنصهر في الوحدة البنيوية للدولة. فالهيئة بالوضع الحالي “غياب البرلمان”، مهما صحت نواياها وكفاءة من عُيّن عليها، تبقى محل شك وارتياب لا في الشخوص بل في تحقيق الاھداف . فأجهزة الرقابة والمحاسبة والإجراء الأمني تختلف أدوارها، وكلها تجسد مجرى العدالة، لكن ذلك لا يتم إلا عبر البرلمان الذي يرفد الدولة بالشرعية في الداخل والخارج ويكتمل العقد البنيوي للدولة .

 

لذلك فإن عودة البرلمان ليست ترفاً سياسياً ولا استجابة لضغط شكلي، بل إعادة تركيب العمود الفقري للدولة. بدونه تبقى معركة مكافحة الفساد خطوة مؤقتة، وموقف مواجهة التدخل الخارجي موقفاً فردياً هشاً. وبعودة البرلمان يعود التوازن والتشريع والمساءلة، وتعود الدولة إلى قواعدها الجماهيرية التي تسند قرارها وتردع من يحاول النيل من سيادتها.

وبحسب وجهة نظر التحليق، فإن أول مراحل الانتقال السلس لا تبدأ بقرارات فوقية، بل ببرلمان توافقي ولو كان معيناً ومؤقتاً، فالتدرج يحول دون الانزلاق ويدعم المؤسسية التي هي اول عتبة لأي دولة ناجحة ومكتملة الاركان .

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الأثنين /11/مايو /2026

‫شاهد أيضًا‬

حكايتي مع التماثيل والصور

كم أجد نفسي وقافا بين يدي هذه الآية الكريمة من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُ…