‫الرئيسية‬ مقالات طقوس الانتماء وأزمة النقد في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

طقوس الانتماء وأزمة النقد في السودان

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد    محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في بعض الأحيان لا تكشف التصريحات السياسية عن أصحابها بقدر ما تكشف عن المجتمعات التي تستقبلها.

 

فالكلمات ليست مجرد أصوات تخرج من أفواه المسؤولين ، إنها حجارة صغيرة تُلقى في بحيرة الرأي العام.

 

وما يهم هنا ليس الحجر ، بل الدوائر التي يصنعها ، ولذلك لم تكن أهمية التصريحات الأخيرة لوزير الإعلام ، حول من سماهم “النائحة المستجيرة” في العبارة ذاتها، بقدر ما كانت في ردود الأفعال التي أطلقتها. فما إن قيلت العبارة حتى انفتح باب واسع من النقاش ، بل ربما انفتح باب أوسع من ذلك بكثير ، باب يتعلق بطبيعة الانتماء نفسها داخل المجتمع السوداني.

وبالسؤال القديم المتجدد:

 

> هل نريد مواطنين أم أتباعًا؟

 

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

فالقطيع لا يحتاج إلى اقتناع ، يحتاج إلى اصطفاف ، ولا يحتاج إلى حوار ، بل يحتاج إلى إشارة ، ولا يحتاج إلى التفكير ، بل يحتاج إلى من يفكر نيابة عنه.

ولهذا كانت الأنظمة والجماعات والأيديولوجيات عبر التاريخ أكثر اهتمامًا بإنتاج الانتماء من اهتمامها بإنتاج الوعي.

فالانتماء يمنح الولاء ، أما الوعي فيمنح الأسئلة ، والأسئلة بطبيعتها مزعجة ، ولهذا السبب كثيرًا ما يُنظر إلى الناقد باعتباره خصمًا ، وإلى المختلف باعتباره مهددًا ، وإلى صاحب السؤال باعتباره صاحب مشكلة ، لا لأن ما يقوله خطأ بالضرورة بل لأنه كسر نسق الاصطفاف وخرج من طقوس الانتماء المريحة.

وربما يكون من الإنصاف هنا أن نفهم السياق الذي تنمو فيه نزعة الاصطفاف قبل أن نحاكمها. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تبحث أولًا عن الجدل بقدر ما تبحث عن الأمان، ولا تنشغل بالسؤال بقدر انشغالها بالبقاء. وفي مثل هذه اللحظات يصبح الانتماء ملاذًا نفسيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وتتحول الجماعة إلى مساحة حماية رمزية في مواجهة الخوف والضبابية. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاحتياج الطبيعي إلى قاعدة دائمة لإدارة المجال العام، فيُنظر إلى كل نقد باعتباره تهديدًا، وإلى كل اختلاف باعتباره خروجًا عن الصف. وهنا تنتقل المجتمعات من حماية الدولة إلى حماية الاصطفاف ذاته، وهي مرحلة يصبح فيها الخوف من السؤال أكبر من الخوف من الخطأ نفسه.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس وجود الخلاف بل اختفاء المساحة الآمنة للخلاف ، فحين يصبح الناس مطالبين بالتصفيق أو الصمت فقط، يتحول الانتماء من قيمة وطنية إلى طقس جماعي.

 

ومن هنا تكتسب تصريحات الوزير أهمية خاصة ليس لأنها جاءت من وزير إعلام ، بل لأنها فتحت، ربما دون قصد، نقاشًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين النقد والخيانة.

وبين المعارضة والعداء. وبين الاختلاف والانفصال عن الجماعة، واللافت أن ردود الأفعال نفسها كشفت عن ظاهرة أخرى أكثر عمقًا. فالكثيرون لم يناقشوا مضمون التصريح ، بل ناقشوا موقع المتحدث ، وكأن السؤال لم يعد هل الكلام صحيح؟

بل أصبح: من الذي قاله؟

وهذه واحدة من أبرز سمات المجتمعات المستقطبة ، حيث تصبح الهوية أهم من الفكرة ، والانتماء أهم من الحجة ، والاصطفاف أهم من الحقيقة.

وهنا يحضر كتاب السودان إلى أين؟ للكاتب ديدار فوزي روسانو، ليس بوصفه محاولة للتنبؤ بالمستقبل، بل بوصفه محاولة للتحذير من فقدان البوصلة الوطنية. فجوهر السؤال الذي يطرحه الكتاب لا يتعلق بمن يحكم أو من يعارض، وإنما يتعلق بقدرة السودانيين على الاتفاق حول اتجاه السير نفسه.

إلى أين نمضي؟

وما الذي نريده لأنفسنا كدولة ومجتمع؟

إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يخرج من دوائر أزماته إذا ظل يعيد تعريف الوطنية وفقًا لمواقع الخصومة والموالاة. فالدول لا تضيع فقط عندما تختلف نخبها، بل عندما يصبح الخلاف بديلاً عن الرؤية، وعندما تنشغل الجماعات بإثبات انتمائها أكثر من انشغالها بتحديد وجهتها. وعندها يتحول السؤال: “من معنا؟” إلى سؤال أكبر حضورًا من السؤال الأهم: “إلى أين نمضي؟”

فالكتاب في جوهره لا يبحث عن إجابة نهائية بقدر ما يحذر من الضياع داخل دوائر التكرار؛ ذلك التكرار الذي يجعل المجتمعات تعيد إنتاج أزماتها وهي تظن أنها تعالجها، وتعيد إنتاج انقساماتها وهي تظن أنها تتجاوزها، وتعيد إنتاج خصوماتها وهي تظن أنها تدافع عن مبادئها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الجدل الذي أثارته تصريحات الوزير فهي ليست أزمة عبارة ولا أزمة توصيف ، إنها جزء من أزمة أعمق تتعلق بطريقة تعريف الجماعة لنفسها.

 

> هل الجماعة الوطنية هي جماعة تسمح بالنقد؟

 

> أم جماعة تسمح فقط بالتأييد؟

 

> هل الوطنية مساحة تتسع للاختلاف؟

 

> أم هوية تُمنح لمن يوافق وتُسحب ممن يعترض؟

 

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية فمن منظور “الجسر والمورد” لا يمكن بناء دولة قوية من خلال إدارة الاصطفافات فقط ، لأن الاصطفاف مورد مستهلك. أما التنوع فهو مورد متجدد والقيادة الذكية لا تسعى إلى إنتاج قطيع متجانس بل إلى مجتمع قادر على الاختلاف دون أن يتفكك وقادر على النقد دون أن ينهار ، قادر على الحوار دون أن يتحول إلى خصومة وجودية.ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو:

 

> ماذا قصد الوزير؟

 

بل:

 

> ماذا كشف التصريح عن طبيعة علاقتنا بالنقد والانتماء؟

 

لأن الأمم لا تنهار عندما يختلف أبناؤها ، بل عندما يصبح الاختلاف نفسه جريمة ، ولا تتراجع عندما تكثر الأصوات بل عندما يبقى صوت واحد فقط.

 

> إن القطيع يحتاج إلى راعٍ.، أما الوطن فيحتاج إلى مواطنين.

والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يتلقى التعليمات ومن يشارك في صناعة المصير.

فليست مشكلة السودان أن الناس تختلف، بل أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يفرقون بين الاختلاف والخيانة.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

السودان أولاً.. آن أوان سقوط المسميات وصعود راية الوطن الواحد

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، تصبح المراجعات الوطنية ضرورة لا خياراً، ويصبح البحث عن…