ردًّا على مقال رشا عوض هل التاريخ الإسلامي مزيف أم أن القراءة انتقائية؟
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

في كل مرة يُطرح فيها موضوع العلمانية في العالم العربي والإسلامي، يظهر خطابٌ يحاول أن يُحمّل الإسلام مسؤولية أخطاء بعض المسلمين، ويصوّر التاريخ الإسلامي كله وكأنه تاريخ قمعٍ واستبدادٍ وظلمٍ للأقليات، بينما يُقدَّم النموذج الغربي الحديث وكأنه النموذج الإنساني الكامل الذي لا عيب فيه ولا نقص.
ومن هذا الباب جاء مقال رشا عوض بعنوان: «العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي المزيف»، وهو مقالٌ احتوى على تعميمات واسعة، وقراءة انتقائية للتاريخ، ومحاولة لإدانة الإسلام من خلال أخطاء بعض الحكام أو بعض الممارسات السياسية التي لا تمثل الدين في ذاته.
والإنصاف يقتضي أن نفرق بين “الإسلام” بوصفه وحيًا وتشريعًا، وبين “تاريخ المسلمين” بوصفه تجربة بشرية يقع فيها الصواب والخطأ، فالخلط بين الأمرين خطأ منهجي كبير.
لقد جاء الإسلام في بيئةٍ تموج بالظلم والطبقية والعنصرية والاقتتال، فحوّل القبائل المتناحرة إلى أمةٍ تحمل رسالة أخلاقية وإنسانية عظيمة، ووضع من المبادئ ما لم تعرفه البشرية مجتمعة في ذلك الزمان.
قال الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. وقال سبحانه:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فهذه النصوص لم تجعل العدل خاصًا بالمسلم، بل أمرت به حتى مع المخالف والعدو قال تعالى (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ). وقد قال النبي ﷺ:«من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» رواه البخاري.وقال ﷺ: «ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» رواه أبو داود.
*فأي حضارةٍ في ذلك العصر كانت تضع هذه المبادئ في التعامل مع غير المسلمين؟*
إن من أعظم المغالطات تصوير الجزية وكأنها رمز إذلال وعنصرية، بينما كانت في حقيقتها نظامًا ماليًا مقابل الحماية العسكرية والإعفاء من القتال، وكان المسلم يدفع الزكاة ويتحمل أعباء الجهاد والدفاع عن الدولة، بينما يُعفى غير المسلم من ذلك بل إن التاريخ الإسلامي سجل مواقف إنسانية فريدة؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فيقول: “ما أنصفناه، أخذنا منه الجزية شابًا ثم ضيعناه شيخًا”، ثم أمر له براتب من بيت مال المسلمين.
وفي عهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، اشتكى بعض ولاته من قلة أموال الجزية بسبب دخول الناس في الإسلام، فكتب إليهم كلمته العظيمة:“إن الله بعث محمدًا ﷺ هاديًا ولم يبعثه جابيًا”.
فهل هذه أخلاق مشروع استعماري كما يحاول البعض تصويره؟
أما الحديث عن الفتوحات الإسلامية وكأنها مجرد حملات دموية، فهو تجاهل لحقيقة أن العالم كله في ذلك العصر كان قائمًا على الإمبراطوريات والحروب، ولم يكن هناك نظام دولي معاصر ولا مواثيق أممية ولا حدود قومية بالشكل الحديث.
ومع ذلك فإن الفارق الكبير أن كثيرًا من الشعوب التي دخلها المسلمون بقيت على أديانها قرونًا طويلة، ولو كان الإسلام انتشر بالسيف وحده لما بقيت الكنائس في الشام ومصر، ولما بقي اليهود في الأندلس والدولة العثمانية ينعمون بالأمن بينما كانوا يُطاردون في أوروبا.
بل إن المؤرخين الغربيين أنفسهم اعترفوا بذلك؛ فقد ذكر المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة أن أهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي كانوا يتمتعون بدرجة من التسامح لم تعرفها أوروبا في القرون الوسطى.
وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحرق المخالفين في محاكم التفتيش، وتعدم العلماء بتهم الهرطقة، كان المسلمون يفتحون المكتبات، ويؤسسون الجامعات، ويترجمون علوم الأمم، ويبنون حضارة امتدت من الأندلس إلى الصين.
لقد قامت في بغداد ودمشق وقرطبة والقيروان والأندلس مراكز علمية كانت قبلة العلماء في العالم، وفي وقت كانت أوروبا تعيش عصور الظلام، كانت شوارع قرطبة تُضاء بالمصابيح، وكانت مكتباتها تضم مئات الآلاف من الكتب.
ومن الإنصاف أن يُقال: نعم، وقع ظلمٌ في بعض عصور المسلمين، ووقعت صراعاتٌ سياسية واستبدادٌ وانحرافات، لكن الواجب أن تُنسب هذه الأخطاء إلى من مارسها من البشر، لا إلى الإسلام نفسه؛ فالإسلام بريءٌ من الظلم والفساد والاستبداد، وقد جاءت نصوصه بالأمر بالعدل والإحسان والنهي عن البغي والطغيان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
وفي المقابل، يحرص بعض خصوم الإسلام ومنهم هذه الكاتبة على تضخيم أخطاء بعض من حكموا باسم الإسلام، حتى يُصوِّروا تلك الأخطاء وكأنها نتيجة حتمية للشريعة نفسها، مع أن الإنصاف يقتضي التفريق بين الإسلام بوصفه وحيًا معصومًا، وبين اجتهادات البشر التي قد تصيب وقد تخطئ.
واللافت أن هؤلاء يتجاهلون في كثير من الأحيان أخطاء التجارب الغربية الحديثة، ويتعاملون مع الديمقراطية والعلمانية وكأنهما نموذجٌ معصوم من الخطأ، رغم ما ارتبط بتاريخ الدول الغربية الحديثة من استعمارٍ دمّر الشعوب، وإبادةٍ للهنود الحمر، واستعبادٍ للأفارقة، وإشعالٍ للحربين العالميتين، وقصف هيروشيما وناجازاكي بالسلاح النووي، فضلًا عن دعم كثير من الاحتلالات الحديثة والانتهاكات التي ما تزال تُرتكب تحت شعارات الحرية وحقوق الإنسان.
فإذا كان وقوع الظلم من بعض المسلمين لا يُعد دليلًا على فساد الإسلام، فكذلك لا يجوز تجاهل الجرائم الكبرى التي وقعت في ظل الأنظمة الغربية الحديثة، وإلا كان ذلك انتقائيةً في قراءة التاريخ لا بحثًا منصفًا عن الحقيقة.
إن الكاتبة تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وكأن الغرب وصل إليها فجأة بفضل العلمانية وحدها، بينما الحقيقة أن أوروبا نفسها عاشت قرونًا من الاستبداد الدموي والصراعات الطائفية، ولم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد مسار طويل من الحروب والتحولات الفكرية والعلمية والاقتصادية.
ثم إن كثيرًا من المبادئ التي يتفاخر بها العالم اليوم كانت معروفة في الإسلام قبل ذلك بقرون، مثل مبدأ العدالة أمام القانون، ومحاسبة الحاكم، وحفظ الحقوق، وتحريم العنصرية.
قال النبي ﷺ:«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».
وهذا الإعلان الأخلاقي سبق كثيرًا من الشعارات الحديثة في المساواة والكرامة الإنسانية.
كما أن الحاكم في الإسلام ليس إلهًا ولا معصومًا، بل يُنصح ويُحاسب.
وقف رجل أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: “لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب”، فلم يغضب عمر ولم يسجنه، بل شرح الأمر للناس.
*فأين هذا من صورة الاستبداد المطلق التي يحاول البعض إلصاقها بكل التاريخ الإسلامي؟*
أما القول إن الإسلام مجرد علاقة روحية بين الإنسان وربه، فهذا مخالف لصريح القرآن والسنة؛ فالإسلام لم يأتِ فقط بالصلاة والصيام، بل جاء بمنظومة أخلاقية وتشريعية تنظم الأسرة والمال والقضاء والحقوق والعلاقات الاجتماعية.
وقد أقام النبي ﷺ دولة المدينة على أساس العدل وتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، ووضع وثيقة المدينة التي اعتبرت من أوائل الوثائق السياسية المنظمة للحياة العامة، ولم يكن المقصود منها الإقرار بصحة التعدد الديني من الناحية العقدية، فالإسلام يقرر بوضوح أن الدين الحق عند الله هو الإسلام، قال تعالى:﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].
ولكن المقصود من الوثيقة تنظيم الحياة المشتركة وفق نظام قانوني يحقق الأمن والعدل ويحفظ الحقوق ويمنع الفوضى والاقتتال داخل المجتمع.
كما أن الإسلام لا يعرف مفهوم “الدولة الدينية” بالمعنى الكنسي الأوروبي الذي يجعل الحاكم معصومًا أو يمنح رجال الدين سلطة مقدسة يحتكرون بها التشريع والغفران باسم الله، فهذه التجربة عرفت في أوروبا مع الكنيسة، ولم يعرفها الإسلام عبر تاريخه.
فالحاكم في الإسلام بشر غير معصوم، يُنصح ويُحاسب، وقد يخطئ ويصيب، وليس بين الناس وبين الله طبقة كهنوتية تحتكر الدين أو تتحدث باسم السماء.
ولذلك فإن كثيرًا من الإشكالات التي نشأت في أوروبا بين الكنيسة والدولة لا يجوز إسقاطها على الإسلام؛ لأن الإسلام لم يعرف أصلًا سلطة “الثيوقراطية الكنسية” التي ثارت عليها أوروبا.
لكن المشكلة الحقيقية اليوم ليست في الإسلام، وإنما في الاستبداد والفساد والجهل والتخلف وسوء إدارة الدولة، وهي أزمات لم تسلم منها حتى كثير من الدول العلمانية التي ما تزال تعاني من الظلم الاجتماعي، والعنصرية، والاستعمار، وازدواجية المعايير، وهيمنة المصالح السياسية والاقتصادية على شعارات الحرية وحقوق الإنسان.
إن النهضة لا تتحقق بجلد الذات ولا بقطع الأمة عن دينها وهويتها، بل بالجمع بين الإيمان والعلم والعدل والعمل، والاستفادة من تجارب الأمم دون الذوبان فيها أو احتقار تاريخنا بالكامل.
فليست من العقل أن نتحول من تقديس التاريخ إلى احتقاره، ولا من تمجيد الذات إلى إنكار كل منجزات حضارتنا.
إن الأمة التي تفقد ثقتها بدينها وتاريخها لن تبني مستقبلًا،
والمنهج العادل هو الاستفادة من التجارب الإنسانية، مع التمسك بثوابت الدين وقيمه الكبرى التي جاءت رحمةً وعدلًا وهدايةً للبشرية.قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فالرحمة والعدل أصل هذا الدين، وأي ظلمٍ وقع من بعض المسلمين فهو انحراف عن الإسلام لا تعبير عنه.
والواجب عند وقوع الأخطاء والانحرافات في أي تجربة تُنسب إلى الإسلام أن يكون السعي إلى تصحيح تلك الأخطاء وردِّها إلى ميزان الشرع، لا إلى إلغاء الدين أو تحميل الشريعة مسؤولية تقصير البشر؛ فالإسلام جاء لهداية الناس وإقامة العدل بينهم، وليس من الإنصاف أن يُهدم الأصل بسبب خطأ من أخطأ في تطبيقه. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يكون بالرجوع إلى أحكام الإسلام وقيمه الصحيحة، لا بالابتعاد عنها أو استبدالها بغيرها.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].
فالمؤمن لا يجعل أخطاء بعض المنتسبين إلى الدين سببًا لرفض أحكام الله، وإنما يدعو إلى إصلاح الواقع وفق هدي الكتاب والسنة، لأن الخطأ في التطبيق لا يعني فساد المبدأ، كما أن انحراف بعض الناس عن العدل لا يقدح في عدالة الشريعة التي أمرت به وجعلته أساس الحكم بين الناس.
متى نتعلم من جيراننا؟
عندما ينتقل المسافر براً من مصر إلى السودان عبر معبري أرقين وحلفا ، يلحظ الفرق الكبير في …





