من بريد أصل القضية
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

وردنا من بريد السادة القراء الذين جمعنا بهم هذا البلد -السودان- كيف لا وقد نهلنا من نيله وجلسنا تحت نخيله لأننا بحق #أصل_القضية
ادعكم مع هذه السطور من أحد شركاء الحلم الجميل المهندس / فهد حماد الصافي حيث كتب : *دعوات وذكريات خلف الجدران: عن أصوات حرب الإنهاك المنسية*
✍🏽 قبسات من معين *محمد أحمد أبوبكر –* الباحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية
الحرب لا تبدأ بطلقة مدفع… بل تبدأ عندما يتوقف الجيران عن التحية، وعندما يصبح الخوف أسرع من خطوات الأطفال نحو المدارس.
منذ أبريل 2023…
لا تنشغل وسائل الإعلام إلا بتغطية المعارك، وتحركات القوات، وتبدّل خرائط السيطرة على الشاشات.
لكن الحروب لا تُقاس فقط بالمساحات التي تكسبها البنادق، ولا بالخطط العسكرية التي تضعها الجنرالات.
إنها تُقاس بالندوب غير المرئية التي تنغرس في عمق الروح الإنسانية.
وفي مدينة بحري… كما في كل شبر من أرض السودان…
يعيش المواطنون اليوم حرباً أخرى أقل ضجيجاً، لكنها أشد قسوة وأعمق أثراً.
إنها حرب الإنهاك اليومي… الحرب التي لا تبحث عن نصر عسكري، بل تستنزف الإنسان ببطء في أمنه، وتعليمه، وعلاقاته، وأحلامه.
وحين تندلع الحروب…
تسارع الأطراف المتصارعة إلى إعلان البيانات، وتضخيم الانتصارات، وتفنيد الهزائم.
لكن خلف تلك الخرائط الصامتة الملونة، تختبئ الحقيقة العارية.
تختبئ قصص البيوت التي أُغلقت أبوابها على عجل…
والأسر التي تفرقت بها سبل النزوح…
وأكواب الشاي التي جفت، وتُركت نصف ممتلئة على الطاولات.
هناك، خلف الجدران المنسية، يمكن للأذن الواعية أن تسمع صوت الحرب الحقيقي… صوت الوجع البشري بلا رتوش.
وفي بحري…
يحدثنا “قسم السيد”، وهو أحد الذين رفضوا مغادرة بيوتهم ورسموا مأساة الصمود، فيقول كلمات تُدمي القلب.
يقول إن الكارثة لم تبدأ مع أول قذيفة سقطت… بل بدأت حين أفرغ الخوف الأحياء من سكانها، وأفقد الشوارع إنسانيتها.
لكن الوجع الأكبر لم يأته من العدو البعيد…
بل جاء من ابن الوطن… من ذلك الذي استغل حاجة جاره للأمان، وحوّل الوجع البشري إلى “سلعة باهظة الثمن”.
وهنا تكمن القضية.
فالحروب لا تدمر البنية التحتية والمباني فحسب… بل الأخطر أنها تدمّر منظومة القيم، وتقتل الثقة، وتترك الإنسان عارياً أمام جشع أخيه.
وفي جانب آخر من هذا المشهد المنهك…
تبدو معاناة الأطفال أكثر قسوة… وأكثر صمتاً.
الحرب لم تسرق من هؤلاء الصغار الاستقرار والأمان فقط، بل وضعت على كواهلهم الغضة أثقالاً تفوق أعمارهم.
أطفال يسيرون يومياً تحت شمس بحري الحارقة، يواجهون ظروفاً معيشية معقدة، ومناهج مكثفة تُلقى إليهم وسط الرعب.
حتى تسرّب الشغف من قلوبهم الصغيرة، وتحوّل التعليم عندهم من حلم بالمستقبل إلى عبء ثقيل.
لقد أصبح الإنهاك النفسي “تفصيلاً يومياً” في حياة طفل كان يجب أن يركض وراء فراشة، فصار يركض وراء النجاة.
وهنا يجب أن نتذكر شيئاً مهماً:
إن أخطر ما تفعله الحروب ليس قتل الأجساد… بل إنهاك القدرة على الحلم.
الشعوب لا تُهزم عسكرياً فقط… بل تُهزم حين تفقد ثقتها في الوعي والمعرفة، وحين يتحول “مجرد البقاء على قيد الحياة” إلى الهم الوحيد الذي يبتلع كل ما عداه.
ومن بين الأنقاض… يبرز صوت الحكمة المفقودة.
أستاذ لغة عربية عجوز، التقيته يوماً يجلس بوقار حزين على بقايا مكتبته التي أحالتها النيران رماداً.
لم يكن يبكي كتبه، بل كان يقرأ في كتاب أزمتنا الوطنية.
قال لي بأسى: “إن جزءاً كبيراً من مأساتنا يكمن في عجزنا عن الاستماع لبعضنا البعض… في تمسك كل طرف بمكبر صوته، دون رغبة حقيقية في الإصغاء”.
قد تبدو هذه الملاحظة بسيطة في عالم السياسة المعقد…
لكنها تلامس جذر المعضلة.
يوم تموت الحكمة، ويغيب الحوار، وتتحول الخلافات البسيطة إلى صراعات مسلحة، وتتحول الصراعات إلى حروب استنزاف تأكل الأخضر واليابس.
لقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة كل شيء كنا نظنه راسخاً ومضموناً.
● كشفت هشاشة الأمن الذي عشناه.
● كشفت هشاشة منظومتنا التعليمية والاجتماعية.
● كشفت هشاشة اليقين بالمستقبل.
لكنها في ذات الوقت، أعادت إلينا قيمة “الشهادة والتوثيق”.
قيمة أن نروي قصص الناس العاديين، البسطاء، الذين لا تظهر أسماؤهم في شريط الأخبار العاجلة، ولا يذكرهم الخطباء في بياناتهم.
إن الكتابة في زمن الانهيار الوطني ليست ترفاً ثقافياً… بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مضاعفة.
حين تتسارع الوقائع، ويطمس ضجيج البيانات الحقائق، تبقى الكلمة الصادقة هي الملاذ الأخير لحفظ الذاكرة وحراسة الهوية.
نحن لا نكتب اليوم لتمجيد بندقية، ولا لإدانة طرف على حساب آخر…
بل نكتب لنقول للأجيال القادمة:
إن خلف كل خبر عاجل عن حرب، كان هناك بشر حقيقيون…
بشر يحبون أبناءهم، ويشتاقون لقهوة الصباح، ويبحثون عن الأمان، ثم وجدوا أنفسهم فجأة يواجهون الإنهاك يوماً بعد يوم.
وربما يكون أعظم ما نملكه اليوم، وأسمى دعاء يمكن أن نلهج به…
هو أن نصغي بعمق إلى تلك الأصوات القادمة من خلف الجدران.
أصوات أناس يرفضون الاستسلام للنسيان…
ويتمسكون بما تبقى في قلوبهم من رحمة وإنسانية تحت هجير المعاناة…
في وطن أنهكته الصراعات، لكنه ما زال يحمل في أحشائه بذور السلام والنهوض.
#أصل_القضية
منظمة العمل الدولية تتعهد بإيفاد بعثة فنية للسودان وتوسيع برامج التشغيل والتدريب
بحث وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الأستاذ معتصم أحمد صالح، مع المدير العام لمن…





