بين مبادرات البرهان ورهانات ترامب.. معركة الإرادة الوطنية ومن يملك مفتاح الحل في السودان؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان بمرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، مرحلة لم تعد فيها المعركة عسكرية فقط، بل أصبحت معركة إرادات ورؤى ومشاريع سياسية تتنافس على رسم مستقبل الدولة السودانية. وفي خضم هذه التعقيدات برزت مبادرات القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان الداعية إلى لمّ شمل أهل السودان وتوحيد الصف الوطني باعتبارها واحدة من أهم المبادرات التي تستهدف إعادة بناء الدولة من الداخل، بعيداً عن الضغوط والاستقطابات الخارجية.
لقد أدركت القيادة السودانية أن الحرب مهما حققت من مكاسب عسكرية فإنها لا تستطيع وحدها أن تؤسس لاستقرار دائم، وأن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد الثقة بين مكونات المجتمع السوداني ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الحوار والتوافق والمشاركة. ومن هنا جاءت الدعوات المتكررة إلى فتح أبواب المبادرات الوطنية أمام القوى السياسية والإدارات الأهلية والشباب والمرأة والمجتمعات المحلية حتى يكون الجميع شركاء في صناعة المستقبل.
وفي المقابل، تتابع القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تطورات المشهد السوداني باعتباره ملفاً مؤثراً في أمن واستقرار المنطقة. ومع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي المرتقب في السودان، وما إذا كانت واشنطن ستسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة للحل أم ستتعامل مع المبادرات الوطنية باعتبارها الأساس الذي يمكن البناء عليه.
القراءة السياسية للمشهد تشير إلى أن مبادرات لمّ شمل أهل السودان تحمل أبعاداً تتجاوز حدود المصالحة الداخلية. فهي في جوهرها رسالة سياسية للخارج قبل الداخل، مفادها أن السودان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، وأن القرار الوطني يجب أن يبقى في يد السودانيين أنفسهم. وهذا ما يجعل هذه المبادرات بمثابة تحدٍ لكل الرهانات التي تقوم على انتظار حلول تأتي من وراء الحدود.
إن ما يميز المبادرات الوطنية أنها تستند إلى الواقع الاجتماعي السوداني المعروف بتداخل القبائل والأعراق والثقافات، وهو واقع ظل لعقود طويلة يمثل مصدر قوة للسودان رغم كل الأزمات. لذلك فإن نجاح مشروع لمّ الشمل لا يعتمد فقط على الاتفاقات السياسية، بل على إعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تعرض لهزات كبيرة بسبب الحرب والنزوح والاستقطاب الحاد.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح البرهان في بناء جبهة وطنية عريضة تضم الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والقيادات المجتمعية والقوى الوطنية سيعني عملياً تضييق مساحة المناورة أمام القوى الخارجية التي تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث السودانية. فكلما اتسعت دائرة التوافق الوطني، تراجعت الحاجة إلى الوصاية الخارجية وتقلصت فرص التدخل في الشأن الداخلي.
كما أن المبادرات الوطنية تمثل اختباراً حقيقياً للنخب السياسية السودانية التي ظلت لعقود طويلة تتحدث عن الديمقراطية والوحدة الوطنية. واليوم تجد هذه النخب نفسها أمام فرصة تاريخية لإثبات قدرتها على تقديم تنازلات من أجل الوطن بدلاً من الاستمرار في دائرة الصراع والإقصاء المتبادل.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق. فإما أن ينتصر مشروع الدولة الوطنية القائمة على التوافق والإرادة الحرة، وإما أن يستمر الصراع السياسي في استنزاف البلاد وفتح الأبواب أمام مزيد من التدخلات الخارجية. ولذلك فإن قيمة مبادرات لمّ الشمل لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، وإنما في توقيتها الذي جاء في لحظة يبحث فيها السودانيون عن مخرج آمن من سنوات الحرب والدمار.
إن الرهان الأكبر ليس على ما ستقرره واشنطن أو العواصم الإقليمية، وإنما على قدرة السودانيين أنفسهم على تحويل المبادرات الوطنية إلى واقع ملموس يضع حداً للانقسام ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. فالتاريخ يؤكد أن الأمم التي تتوحد إرادتها تستطيع أن تتجاوز أصعب المحن، وأن الشعوب التي تملك قرارها الوطني لا تصبح رهينة لمشاريع الآخرين.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح القوى الدولية في تقديم الوساطات والدعم، لكنها لن تستطيع صناعة السلام الحقيقي ما لم ينبع من الداخل السوداني. لذلك تبقى مبادرات لمّ شمل أهل السودان فرصة تاريخية لإعادة كتابة المشهد الوطني من جديد، وبناء دولة قوية موحدة تستند إلى إرادة أبنائها، وتحفظ سيادتها، وترسم مستقبلها بعيداً عن أي إملاءات خارجية.
إن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وعي وإرادة وطنية، ومن ينجح في جمع السودانيين حول مشروع واحد هو من سيملك مفتاح المستقبل.
الاثنين ٨يونيو٢٠٢٦
كاودا تفجر أخطر تمرد داخلي ضد الحلو ومطالبات بتنحيه ووقف الانتهاكات
كشفت أزمة كاودا المتفاقمة عن حجم الانقسام الذي يضرب الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ب…





