من سرير الألم إلى ساحة الوطن.. حين ينتصر حب السودان على المرض والجراح
حديث الساعة الهام سالم منصور

بين جدران غرفة العناية المكثفة بمستشفى العبد الدولي بمدينة كسلا، وبين آهات المرض وثقل الألم، وجدت نفسي أمام مسؤولية أكبر من الوجع، وأعظم من معاناة الجسد. فهناك وطن ينادينا، وأرض تستحق الوفاء، وشعب يستحق أن نقف إلى جانبه بالكلمة الصادقة والموقف الوطني الشريف.
استأذنت الألم دقائق من الزمن، لا لأشكو وجعاً أو أروي معاناة، بل لأكتب عن السودان؛ هذا الوطن الذي منحنا الهوية والانتماء والكرامة. فحين تكون الأوطان في مواجهة التحديات، تصبح الكتابة واجباً وطنياً، وتتحول الكلمة إلى رسالة، والقلم إلى أداة للدفاع عن الحق والحقيقة.
لقد مر السودان خلال السنوات الأخيرة بمنعطفات خطيرة وتحديات غير مسبوقة، تكالبت عليه المؤامرات من الخارج، وسعت بعض الأيادي الخفية إلى تمزيق وحدته الوطنية وإشعال نار الفتن بين مكوناته الاجتماعية، ظناً منها أن السودان يمكن أن ينكسر أو أن شعبه يمكن أن يتخلى عن إرثه التاريخي في التعايش والتسامح والصبر على المحن.
غير أن ما لم يدركه أصحاب تلك المخططات هو أن السودان ليس مجرد حدود جغرافية أو موارد وثروات، بل هو شعب عظيم متجذر في أرضه، مؤمن بوحدته، ومتمسك بقيمه الوطنية مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات. فكم من مؤامرة مرت على هذا الوطن، وكم من أزمات عصفت به، لكنه ظل واقفاً شامخاً كالنخيل، ثابتاً كجبال التاكا والتضاريس الممتدة في ربوعه.
إن الدفاع عن السودان اليوم لم يعد مسؤولية جهة بعينها، بل أصبح واجباً وطنياً على كل سوداني وسودانية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في ميادين القتال، وإنما أيضاً في ميادين الوعي والفكر والكلمة. فالشائعة قد تهدم ما تبنيه السنوات، وخطاب الكراهية قد يشعل ناراً يصعب إخمادها، بينما الكلمة الوطنية الصادقة قادرة على ترسيخ الوحدة وتعزيز الثقة ونشر الأمل.
ومن داخل هذه الغرفة التي أتابع منها رحلة العلاج، يزداد يقيني بأن السودان قادر على تجاوز محنته. فالشعوب التي تمتلك إرادة الحياة لا تهزمها الأزمات، والأوطان التي يلتف أبناؤها حولها لا تسقط مهما تكاثرت عليها الضغوط. وما نشهده اليوم من صمود السودانيين في مختلف بقاع الوطن يؤكد أن جذوة الوطنية ما زالت متقدة في النفوس، وأن الأمل في الغد الأفضل ما زال حياً.
إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويؤسس لمستقبل يقوم على التوافق الوطني والتسامح والتعايش واحترام التنوع. فالوطن يتسع للجميع، ومستقبله لا يصنعه الإقصاء ولا الخصومات، وإنما تصنعه الإرادة الوطنية الصادقة التي تضع السودان فوق المصالح الضيقة والحسابات المؤقتة.
وأنا أكتب هذه الكلمات، تتجدد في داخلي قناعة راسخة بأن حب الوطن لا تقيده الظروف، ولا توقفه الجراح، ولا تعرقله الأمراض. فالسودان سيظل حاضراً في الوجدان ما دام في القلب نبض، وفي الروح حياة، وفي اليد قدرة على الإمساك بالقلم.
حفظ الله السودان من كل سوء، وجعل هذه المحنة محطة عبور نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ووحدة، وجمع أبناءه على كلمة سواء، وأعاد إليه عافيته كما نتمنى لأنفسنا العافية والشفاء.
فمن سرير الألم أقولها بكل يقين: قد يضعف الجسد، لكن حب السودان لا يمرض، وقد تثقل الجراح القلب، لكن الانتماء لهذا الوطن يبقى أقوى من كل الأوجاع.
الثلاثاء ٩يونيو٢٠٢٦
مستشفي محمد الامين حامد للأطفال.. ملحمة طبية للبراعم
الأطفال براعم المستقبل علي موعد في قادمات الدهر مع وجود صرح طبي مزدهر بكل أسباب العناية ال…





