الأزمة السودانية بين صبر المواطن وبسالة القوات المسلحة.. إلى أين تتجه البلاد بعد المبادرات والتفاوض؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع ميادين القتال مع موائد التفاوض، وتتزاحم المبادرات المحلية والإقليمية والدولية بحثاً عن مخرج لأزمة أنهكت المواطن وأثقلت كاهل الدولة. وبين صبر السودانيين على المعاناة اليومية، وبسالة القوات المسلحة في ميادين العمليات، يظل السؤال الأكبر مطروحاً: ماذا بعد؟
لقد أثبت المواطن السوداني خلال سنوات الحرب قدرة استثنائية على الصمود والتحمل، رغم النزوح والضائقة الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه ظل متمسكاً بالأمل في عودة الأمن والاستقرار، مؤمناً بأن السودان قادر على تجاوز المحنة مهما بلغت التحديات.
وفي المقابل، خاضت القوات المسلحة السودانية معارك طويلة ومكلفة، وحققت خلال الفترة الماضية تقدماً ميدانياً مهماً في عدد من المناطق الاستراتيجية، مما أعاد رسم المشهد العسكري ومنح الدولة مساحة أكبر للتحرك السياسي والدبلوماسي. كما أن التطورات العسكرية الأخيرة دفعت كثيراً من القوى السياسية والإقليمية إلى إعادة قراءة المشهد السوداني بصورة مختلفة عما كان عليه الحال في بداية الحرب. �
مركز الحضارة للدراسات والبحوث +١
ومن الواضح أن المرحلة الحالية لم تعد مرحلة الحسم العسكري وحده، بل أصبحت مرحلة البحث عن صيغة متكاملة تجمع بين الأمن والسياسة وإعادة بناء الدولة. فخلال الأشهر الأخيرة برزت تحركات ومبادرات متعددة تدعو إلى حوار سوداني شامل وإيجاد أرضية مشتركة تجمع أبناء الوطن بعيداً عن التدخلات الخارجية والاستقطابات الحادة. كما شهدت الساحة السياسية نقاشات متزايدة حول ترتيبات اليوم التالي للحرب وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية القادمة. �
الجزيرة نت +١
غير أن نجاح أي مبادرة يظل مرتبطاً بعدة عوامل أساسية، أهمها الحفاظ على وحدة السودان وسيادته، ورفض أي حلول تفرض من الخارج دون توافق وطني حقيقي، إضافة إلى ضرورة إشراك القوى المجتمعية والإدارات الأهلية والشباب والمرأة في صناعة المستقبل السياسي للبلاد.
إن القراءة الموضوعية للمشهد تشير إلى أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنجح الجهود الوطنية في تحويل المكاسب العسكرية إلى مشروع سياسي جامع يؤسس للاستقرار والتنمية، وإما أن تستمر حالة الاستنزاف التي يدفع المواطن ثمنها كل يوم. كما أن كثيراً من المراقبين يرون أن التحدي الأكبر لم يعد فقط وقف الحرب، بل بناء الثقة بين مكونات المجتمع والدولة ووضع رؤية وطنية تعالج جذور الأزمة وتمنع تكرارها مستقبلاً. �
الجزيرة نت +١
ولعل أخطر ما يواجه السودان الآن هو الوضع الإنساني المتفاقم الذي يتطلب معالجة عاجلة ومتوازية مع المسارات السياسية والعسكرية، فاستقرار الأوطان لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما بإعادة الخدمات، وعودة النازحين، وتحريك عجلة الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي الذي تعرض لاختبارات قاسية خلال سنوات الحرب. �
الجزيرة نت
إن ما بعد المبادرات والتفاوض يجب ألا يكون مجرد اتفاق سياسي عابر، بل مشروعاً وطنياً شاملاً يؤسس لسودان جديد يقوم على العدالة وسيادة القانون والتنمية المتوازنة واحترام التنوع. فالشعوب العظيمة لا تُقاس بحجم الأزمات التي تمر بها، وإنما بقدرتها على تجاوزها وتحويلها إلى فرص للنهوض.
واليوم، وبين صبر المواطن وبسالة القوات المسلحة، تلوح في الأفق ملامح مرحلة جديدة قد تكون بداية التعافي الحقيقي إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة وتغلبت مصلحة السودان على المصالح الضيقة. فالسودان أكبر من الخلافات، وأبقى من الأزمات، وسيظل وطناً يستحق أن يتوحد الجميع من أجله.
**حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وجعل من هذه المحنة بوابة لعبور الوطن نحو الأمن والاستقرار والسلام الدائم
الاربعاء ١٠يونيو٢٠٢٦
الدولار طار راح يابروف كامل!!
في الوقت الذي يعلق فيه السودانيون امالا كبيرة على مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء الدولة تو…





