‫الرئيسية‬ مقالات ارتفاع الدولار في السودان .. بين جشع التجار و فوضى الشائعات
مقالات - ‫‫‫‏‫19 ساعة مضت‬

ارتفاع الدولار في السودان .. بين جشع التجار و فوضى الشائعات

كتب محمد سعيد الصحاف

في كل مرة يقفز فيها سعر الدولار في السودان، تتجه الأنظار إلى الأسباب الاقتصادية المعروفة من شح النقد الأجنبي وتراجع الإنتاج وضعف الصادرات، لكن هناك عوامل أخرى لا تقل خطورة عن تلك الأسباب، تتمثل في جشع بعض التجار وفوضى الشائعات التي أصبحت تلعب دوراً محورياً في إشعال الأسواق وإرباك المواطنين.

فالمتابع لحركة الأسواق يلاحظ أن أسعار العديد من السلع ترتفع فور تداول أخبار عن زيادة سعر الدولار، حتى وإن كانت تلك السلع قد تم استيرادها قبل أشهر بأسعار صرف أقل بكثير. وفي المقابل، نادراً ما تنخفض الأسعار عندما يتراجع الدولار أو يستقر، الأمر الذي يكشف عن حالة من الاستغلال الواضح وغياب الضوابط الرادعة.

الأخطر من ذلك أن الشائعات أصبحت تمثل سوقاً موازية لا تقل تأثيراً عن سوق العملات نفسها. فبمجرد انتشار خبر غير مؤكد عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول ارتفاعات متوقعة أو قرارات اقتصادية مرتقبة، تبدأ موجة من المضاربات المحمومة، ويتسابق البعض إلى شراء الدولار وتخزين السلع، فتزداد حدة الأزمة وتتسع دائرة الخوف بين المواطنين.

لقد أصبحت الأسواق السودانية في كثير من الأحيان رهينة لمعلومات مجهولة المصدر، يتداولها الناس دون تحقق أو تدقيق، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن في نهاية المطاف من قوته اليومي وقدرته على توفير احتياجات أسرته.

ولا يمكن إنكار أن البلاد تمر بظروف اقتصادية استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على الإنتاج والتجارة والاستثمار، لكن استغلال هذه الظروف لتحقيق أرباح غير مشروعة أو نشر الشائعات لتحقيق مكاسب سريعة يمثل سلوكاً يفاقم الأزمة بدلاً من المساهمة في معالجتها.

إن المعركة ضد ارتفاع الدولار ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من تعزيز الإنتاج ودعم الصادرات، وتمر عبر الرقابة الصارمة على الأسواق ومحاربة المضاربات، ولا تنتهي عند نشر الوعي بأهمية تحري الدقة وعدم الانسياق وراء الشائعات.

فالدولار لا يرتفع دائماً بفعل الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل قد تدفعه أحياناً شائعة عابرة أو طمع تاجر لا يضع في حساباته معاناة الملايين. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة، في انتظار حلول حقيقية تعيد للأسواق توازنها وللعملة الوطنية شيئاً من عافيتها المفقودة.

‫شاهد أيضًا‬

السودان… عندما تحرّك مؤشر نوار

في مقال سابق ضمن هذه السلسلة كتبنا: «ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يفعله بك وأنت تتابع»…