‫الرئيسية‬ مقالات السودان… عندما تحرّك مؤشر نوار
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

السودان… عندما تحرّك مؤشر نوار

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات 

في مقال سابق ضمن هذه السلسلة كتبنا:

«ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يفعله بك وأنت تتابع».

يومها لم يكن المقصود التقليل من خطورة الأحداث، وإنما الإشارة إلى حقيقة أكثر عمقاً:

أن الأوطان لا تتغير فقط بما يقع عليها…

بل بما يتراكم داخلها وهي تحاول التكيف مع ما يقع.

واليوم يعود السؤال إلينا من زاوية مختلفة.

ليس لأن منشوراً كُتب.

ولا لأن صوتاً ارتفع.

بل لأن بعض المؤشرات حين تتحرك لا تُناقش بوصفها مواقف فردية، وإنما تُقرأ بوصفها إشارات تستحق التأمل.

ومن هنا لا يُقرأ «مؤشر نوار» باعتباره شخصاً.

بل باعتباره لحظة.

لحظة تجعلنا نسأل السؤال الذي تأخر كثيراً:

متى بدأ التآكل الداخلي؟

هل بدأ مع الحرب؟

أم أن الحرب كشفت فقط ما كان يتشكل بهدوء منذ سنوات؟

 

هذه ليست فرضية عاطفية.

إنها فرضية تحليلية:

> أن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يشتد الضغط الخارجي… بل عندما تبدأ الجبهة الداخلية في استهلاك رصيدها النفسي والاجتماعي دون أن تنتبه.

 

إذا نظرنا إلى المسار السوداني خلال السنوات الأخيرة ، فإن الحرب تبدو لحظة انفجار كبرى.

لكن الانفجارات الكبرى لا تولد من فراغ.

هناك دائماً طبقات سابقة من الإنهاك وإعادة التشكل.

 

ولهذا فإن العودة إلى ٢٠١٨م لا ينبغي أن تكون بحثاً عن متهم متأخر، ولا اختزالاً لتجربة مركبة في عنوان واحد.

لكن يصعب أيضاً تجاهل أن تلك المرحلة فتحت مساراً جديداً في علاقة المجتمع بالدولة، وفي توزيع الثقة، وفي تعريف الشرعية، وفي إعادة تشكيل مراكز التأثير.

كان ظاهرها حدثاً سياسياً كبيراً.

لكن في عمقها كانت هناك أيضاً عملية طويلة من إعادة تشكيل الوعي الجمعي.

 

ومنذ ذلك الوقت – بدرجات متفاوتة – بدأ السودان يتحرك داخل دورة معقدة:

 

ارتفاع التوقعات…

 

ثم الاستقطاب…

 

ثم إعادة الاصطفاف…

 

ثم الإنهاك…

 

ثم التآكل.

 

وجاءت الحرب لاحقاً لتسرّع الإيقاع لا لتصنع كل شيء من الصفر.

وهنا تظهر أولى المؤشرات الخطيرة:

أن المجتمع يبدأ في الانتقال من سؤال:

كيف ننتصر؟

إلى سؤال:

إلى أين نمضي؟

 

ومن سؤال:

ماذا نفعل؟

إلى سؤال:

من يفكر في الناس؟

 

وهذا ليس تغيراً سياسياً.

هذا تغير في علاقة المجتمع بالمشروع نفسه.

لأن الجبهات لا تنهار عندما يضعف السلاح…

بل عندما يضعف المعنى.

 

ثم تظهر مؤشرات أخرى أكثر هدوءاً:

ارتفاع الأسئلة وانخفاض الشرح.

اتساع مساحة الانفعال وتراجع القدرة على الاستيعاب.

تكرار التطمينات مقابل انخفاض أثرها.

وتحوّل النقد من وسيلة تصحيح إلى مادة اشتباك.

 

ثم يبدأ المجتمع في فعل شيء أخطر:

 

لا ينسحب…

لكن يتراجع استثماره النفسي.

 

وهذه هي لحظة التآكل الحقيقي.

 

ومع ذلك…

لا أحد يستطيع القول إن الحركة توقفت.

ما زالت المبادرات تُكتب.

والأوراق تُصاغ.

والحوارات تُعقد.

والمنصات تضج.

والكل يفكر.

 

لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه ليس:

هل نفكر؟

بل:

هل ما زلنا ننتج أثراً؟

أم أننا دخلنا ما يمكن تسميته:

> «التضخم التفسيري والانكماش التنفيذي»؟

 

نكتب أكثر…

 

ونحلل أكثر…

 

ونختلف أكثر…

 

لكن هل نقترب أكثر؟

 

وهنا يصبح الخطر ليس غياب المبادرات…

بل أن تتحول المبادرات نفسها إلى بديل عن الحركة.

وأن تصبح الكتابة إحساساً بالإنجاز.

والتفسير بديلاً عن القرار.

والنقاش بديلاً عن الفعل.

 

ثم تعود إلينا فجأة تلك الجملة البسيطة الساخرة التي تحمل سؤالاً شديد الجدية:

«وديتو الشعب وين؟»

ليس سؤالاً عن المسؤولية وحدها.

 

بل عن الموقع.

 

أين يقف المواطن الآن؟

 

هل ما زال شريكاً في المعادلة؟

 

أم أصبح مجرد متلقٍ للتكلفة؟

 

هل يُطلب منه أن يصبر فقط؟

 

أم أن له حق الفهم والمشاركة وتوقع ما بعد التضحيات؟

 

ثم جاءت المشاهد التي ملأت الفضاء العام، وما تبعها من توصيفات بأنها تفلتات أو حالات معزولة.

 

لكن القضية هنا ليست الحدث وحده.

القضية في الأثر التراكمي الذي تتركه الوقائع حين تتكرر داخل وعي مجتمع مرهق.

 

فالمجتمع لا يحاكم الوقائع منفصلة.

 

هو يجمعها.

 

ويربط بينها.

 

ويخرج منها بصورة عامة.

 

وعندما يشعر أن التكاليف تتوزع أكثر من المعنى…

يتحرك شيء عميق داخل الجبهة الداخلية.

 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:

 

لماذا تحرك مؤشر نوار؟

بل:

هل التقطنا الإشارة في وقتها؟

 

لأن الأوطان لا تُفاجأ بالسقوط.

الأوطان عادةً تُرسل إشارات كثيرة.

لكننا أحياناً ننشغل بشرح المشهد…

أكثر من تغييره.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني يبحث في إيطاليا تعزيز الدعم الإنساني للسودان

بحث مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني، الفريق الركن *الصادق إسماعيل محمود…