لعنة جريمة بلفاست تطارد السودانيين
إسماعيل شريف

في المجتمعات السوية تُنسب الجريمة إلى مرتكبها، وتُترك العدالة لتأخذ مجراها عبر القانون والقضاء. لكن في أزمنة الاستقطاب الحاد والحروب والانقسامات، تتحول بعض الجرائم الفردية إلى وقود لصراعات أكبر من الجريمة نفسها، فتضيع الحقيقة بين الشائعات، وتُستغل المأساة لتصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية.
هذا ما حدث إلى حد كبير في قضية المواطن السوداني هادي العضيد، المتهم بارتكاب جريمة طعن مروعة في مدينة بلفاست بإيرلندا الشمالية. فبينما كانت الشرطة والقضاء البريطانيان يتعاملان مع القضية بوصفها جريمة جنائية قيد التحقيق، كانت وسائل التواصل الاجتماعي في السودان وخارجه تصنع روايات متعددة ومتناقضة حول هوية الرجل وانتمائه وخلفيته.
خلال أيام قليلة فقط، تحول المتهم إلى شخصية تتنازعها الروايات. فهناك من قال إنه ينتمي إلى جهاز أمني سوداني، وآخرون نسبوه إلى كتيبة البراء، بينما ذهب البعض إلى تصنيفه قبلياً أو جهوياً، بين من يزعم أنه من شمال السودان ومن يؤكد أنه من غربه. وكل فريق كان يحاول توظيف الحادثة لخدمة روايته الخاصة في الحرب السودانية المستمرة.
غير أن الحقيقة القانونية أبسط من كل ذلك. فالتصريحات الرسمية الصادرة عن الشرطة والمحكمة البريطانية ركزت على الوقائع المتعلقة بالجريمة والتهم الموجهة للمتهم، ولم تتحدث عن انتماءات سياسية أو عسكرية أو قبلية. كما أكدت السلطات البريطانية لاحقاً أن المتهم سوداني الجنسية، بعد أن سادت في الساعات الأولى معلومات غير دقيقة عن أصوله. وما عدا ذلك ظل في نطاق الادعاءات غير المثبتة والشائعات المتداولة عبر المنصات الرقمية.
المؤسف أن تداعيات الحادث لم تتوقف عند حدود الجريمة نفسها. فقد شهدت بلفاست ومدن أخرى موجة من الاحتجاجات وأعمال العنف والاستهداف للمهاجرين والأجانب، ووثقت وسائل إعلام بريطانية ومنظمات محلية اعتداءات على منازل ومتاجر وأسر لا علاقة لها بالجريمة سوى أنها تنتمي إلى خلفيات مهاجرة. كما عبّرت عائلات سودانية مقيمة هناك عن مخاوفها من تنامي الكراهية والاعتداءات العنصرية في أعقاب الحادث.
هنا تبرز القضية الأخلاقية الأهم هل يجوز تحميل جالية كاملة وزر فعل فرد واحد؟
من الناحية القانونية، الإجابة واضحة. المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تمتد إلى الأسرة أو القبيلة أو الجالية أو الدولة التي ينتمي إليها المتهم. وهذا مبدأ راسخ في النظم القانونية الحديثة وفي الشرائع السماوية على السواء. فلا أحد يُحاسب على جريمة لم يرتكبها، ولا يجوز إدانة جماعة بأكملها بسبب فعل فرد منها.
أما من الناحية الإنسانية، فإن التعميم يمثل ظلماً مضاعفاً. فهو يضيف إلى مأساة الضحية مأساة جديدة تطال أبرياء لا ذنب لهم. فالسوداني الذي يدرس في جامعة بريطانية، أو يعمل في متجر، أو يقيم مع أسرته في مدينة أوروبية، لا علاقة له بما ارتكبه شخص آخر، تماماً كما لا يمكن تحميل أي شعب مسؤولية جرائم بعض أفراده.
ولعل المفارقة المؤلمة أن ضحايا التعميم لم يكونوا السودانيين وحدهم. ففي الساعات الأولى للحادث تعرض الصوماليون أيضاً لحملة من الاتهامات بعد تداول معلومات غير صحيحة عن هوية المتهم، قبل أن تتراجع الجهات الرسمية عن تلك المعلومات. وهو ما يؤكد خطورة التسرع في إطلاق الأحكام قبل اكتمال الحقائق.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس الجريمة وحدها، بل الطريقة التي تحولت بها إلى منصة للكراهية والتحريض وتصفية الحسابات السياسية. فبدلاً من التضامن مع الضحية واحترام مسار العدالة، انشغل كثيرون بإثبات أن المتهم ينتمي إلى هذا الطرف أو ذاك، وكأن الجريمة تصبح أقل فظاعة إذا نُسبت إلى الخصم السياسي وأكثر فظاعة إذا نُسبت إلى الطرف الآخر.
في النهاية، تظل الحقيقة الأهم أن الجريمة فعل فردي، وأن العدالة يجب أن تُبنى على الوقائع والأدلة لا على الانتماءات والافتراضات. كما أن حماية المجتمعات من الكراهية لا تقل أهمية عن حمايتها من الجريمة نفسها.
فإذا كان القانون يعاقب المجرم على فعله، فإن الضمير الإنساني يجب أن يرفض معاقبة الأبرياء بجريرة لم يرتكبوها. تلك هي العدالة، وذلك هو الطريق الوحيد للحفاظ على التعايش بين الشعوب والجاليات في عالم يزداد انقساماً يوماً بعد يوم.
مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني يبحث في إيطاليا تعزيز الدعم الإنساني للسودان
بحث مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني، الفريق الركن *الصادق إسماعيل محمود…





