من قبضة المضاربين إلى يد الدولة: ماذا سيجني السودانيون من إلغاء السوق الموازي؟”
مسارات د. .نجلاءحسين المكابرابي

في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي يعيشها السودان، يبرز القرار السيادي القاضي بإلغاء السوق الموازي للسلع الاستراتيجية وتفعيل شركات الجيش لتأمين الإمدادات باعتباره أحد أكثر القرارات تأثيراً على مستقبل الأسواق وحياة المواطنين. حيث نجد ان القرار لا يقتصر على معالجة أزمة آنية، هو يحمل في طياته رؤية لإعادة تشكيل منظومة التجارة والتوزيع بما يضمن استقرار السلع الأساسية وحماية الأمن المعيشي للمواطن.
وأول الفوائد المتوقعة تتمثل في الحد من المضاربات التي ظلت أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة. فعندما تصبح السلع الأساسية متوفرة عبر قنوات رسمية مستقرة، تتراجع قدرة الوسطاء والمحتكرين على التحكم في الأسعار أو صناعة الندرة المصطنعة التي كانت تؤدي إلى موجات متلاحقة من الغلاء.
كما يُنتظر أن يسهم القرار في تعزيز الأمن الغذائي والدوائي، إذ إن إحكام السيطرة على سلاسل الإمداد يضمن وصول السلع الحيوية إلى مختلف المناطق بصورة أكثر انتظاماً، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في أوقات الأزمات والحروب، حيث تصبح وفرة الغذاء والدواء جزءاً من منظومة الأمن القومي.
ومن النتائج الإيجابية المحتملة أيضاً تقليل تكاليف التداول. فإلغاء الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك قد يؤدي إلى خفض الأسعار النهائية، بما يخفف من الأعباء المعيشية على الأسر السودانية التي تأثرت بشدة من موجات التضخم وارتفاع تكاليف الحياة خلال السنوات الماضية.
على المستوى الاستراتيجي، قد يساهم القرار في إعادة الثقة إلى السوق الوطني من خلال فرض قدر أكبر من الانضباط والرقابة، وإرسال رسالة واضحة بأن الدولة عازمة على حماية السلع الاستراتيجية من الاحتكار والتلاعب. هذه الثقة تمثل عاملاً مهماً في تشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي على المدى المتوسط والبعيد.
غير أن نجاح القرار لن يتوقف على صدوره ، يتوقف على كفاءة التنفيذ وآليات المتابعة والرقابة. فالتجارب الاقتصادية تؤكد أن القضاء على الأسواق الموازية يتطلب وفرة حقيقية ومستدامة للسلع، وسرعة في التوزيع، وقدرة على تلبية الطلب في جميع الولايات. وفي حال غابت هذه العناصر، قد تظهر قنوات بديلة للتجارة خارج الإطار الرسمي.
كذلك تبرز أهمية تحقيق التوازن بين الدور التنظيمي للدولة وبين تشجيع القطاع الخاص الوطني على المشاركة في الإنتاج والتوزيع وفق ضوابط واضحة وعادلة، بما يضمن استدامة النشاط الاقتصادي وعدم انحصاره في جهة واحدة.
إن المكسب الأكبر الذي يمكن أن يحققه هذا القرار يتمثل في تحويل السلع الاستراتيجية من أدوات للمضاربة والاحتكار إلى حقوق مكفولة للمواطن. وإذا نجحت الدولة في توفير الإمدادات بصورة مستقرة والحفاظ على الأسعار ضمن مستويات معقولة، فإن السودان قد يكون أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها استقرار الأسواق وتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح أي سياسة اقتصادية يُقاس بمدى انعكاسها على حياة الناس اليومية. فإذا لمس المواطن انخفاضاً في الأسعار، وتوفراً للسلع، واستقراراً في الإمدادات، فإن القرار سيُسجل كخطوة مفصلية في مسار الإصلاح الاقتصادي وحماية الأمن المعيشي للسودانيين.
عشان عين يكرموا الف عين
قضيت معظم يوم امس بمستشفي مكة العيون بودمدني بصحبة ابني محمود لانه يعاني من مشاكل قديمة في…





