‫الرئيسية‬ مقالات الانشقاق لا يمحو الدماء بين ضرورة إضعاف المليشيا وحق الضحايا في العدالة
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

الانشقاق لا يمحو الدماء بين ضرورة إضعاف المليشيا وحق الضحايا في العدالة

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

يستقبل كثير من الناس أخبار الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع بقدر من الارتياح، وهذا مفهوم؛ لأن أي تصدع يصيب هذه المليشيا يضعف قدرتها على الاستمرار في الحرب ويقلل من حجم الخطر الذي تمثله على الدولة والمجتمع. لكن الواجب أن ننظر إلى هذه الظاهرة بعين العقل لا بعين العاطفة، وبمنطق العدالة لا بمنطق ردود الأفعال.

 

فالدعم السريع ليس حزبًا سياسيًا يختلف أعضاؤه حول برنامج أو رؤية، ولا مؤسسة وطنية نشأت على قيم الانضباط والالتزام، وإنما هو تشكيل مسلح ارتبط اسمه منذ اندلاع الحرب بجرائم القتل والنهب والتهجير والاعتداء على المدنيين. ولذلك فإن ظهور الخلافات والانشقاقات داخله ليس أمرًا مستغربًا، بل هو نتيجة طبيعية لكيان قام على القوة المجردة والمصلحة المؤقتة. فالذين يجتمعون على الغنيمة يتفرقون عند أول نزاع حولها، والذين لا يجمعهم مبدأ لا يحفظهم عند الشدائد رابط ثابت.

 

غير أن الخطأ الذي يقع فيه البعض هو الاعتقاد *بأن كل من أعلن انشقاقه أصبح تلقائيًا جزءًا من الحل بعد أن كان جزءًا من المشكلة. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح قبل الاحتفاء بأي منشق هو: أين كان هذا الرجل حين كانت القرى تحرق؟ وأين كان حين كانت البيوت تنهب؟ وأين كان حين كانت الدماء تسيل والأعراض تنتهك والمواطنون يطاردون في ديارهم؟*

 

إن الانشقاق من المليشيا قد يكون خطوة إيجابية، *لكنه لا يمحو الماضي، ولا يمسح آثار الجرائم، ولا يعيد الحقوق إلى أصحابها. فالعدالة لا تعرف مبدأ “إعادة تدوير المجرمين” لمجرد أن موازين القوى تغيرت. ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول دماء الضحايا إلى مجرد تفصيل صغير في معادلة سياسية أو عسكرية*.

 

لقد قرر الإسلام قاعدة عظيمة في هذا الباب، وهي أن حقوق العباد لا تسقط بالتوبة المجردة. *فالقاتل إذا تاب بينه وبين الله فإن توبته تنفعه عند الله، لكن ذلك لا يسقط حق أولياء الدم. قال تعالى:﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.*

 

ولهذا فإن أي معالجة *لملف المنشقين يجب أن تقوم على التمييز بين من لم تتلطخ يداه بالدماء وبين من شارك في الجرائم أو أمر بها أو أعان عليها. أما فتح الأبواب على مصاريعها دون محاسبة فهو رسالة خطيرة لكل مجرم مفادها أن بإمكانه أن يشارك في الجرائم ما دام سيجد في النهاية فرصة للهرب من المسؤولية تحت عنوان “الانشقاق”.*

 

إن أهل القرى التي أحرقت، والأسر التي فقدت أبناءها، والنساء اللاتي تعرضن للانتهاكات، لا ينتظرون بيانات الانشقاق، وإنما ينتظرون العدالة. *ومن حقهم أن يسألوا: هل أصبح من حمل السلاح ضدنا بالأمس بطلاً لمجرد أنه غيّر موقفه اليوم؟ وهل يكفي تغيير الولاء *السياسي لإسقاط حقوق الضحايا نعم، قد تقتضي المصلحة الوطنية استيعاب بعض المنشقين* *والاستفادة من معلوماتهم وإضعاف المليشيا من الداخل، لكن هذا باب من أبواب السياسة، أما العدالة فباب آخر لا يجوز إغلاقه فالسياسة قد تقتضي القبول، لكن العدالة تقتضي المحاسبة، والجمع بينهما هو الطريق الصحيح.*

 

إن الدول *لا تنهار حين يكثر المجرمون فقط، وإنما تنهار حين يفقد الناس ثقتهم في العدالة. وحين يشعر ولي الدم أن قاتل ابنه يمكن أن يتحول في ليلة واحدة إلى “شريك في السلام” دون مساءلة، فإن الجرح لا يندمل، بل يتسع.*

 

لذلك فإن الترحيب *بالمنشقين يجب أن يكون مشروطًا بالحقيقة والاعتراف والمحاسبة، لا أن يكون صك غفران مجانيًا. فالسودان بحاجة إلى إنهاء التمرد، لكنه بحاجة كذلك إلى إنصاف المظلومين. وبغير ذلك سنكون قد استبدلنا ظلماً بظلم، وأضعنا حق الضحايا تحت ضجيج السياسة*.

 

إن القضية ليست كيف نكسب المنشقين، بل كيف نحفظ الوطن ونقيم العدل. *فالعدل هو الذي يبني الدول، أما التسويات التي تُدفن فيها الحقوق فإنها لا تصنع سلامًا، وإنما تؤجل الانفجار إلى موعد آخر.*

‫شاهد أيضًا‬

الوجود الأجنبي ومخاطر المرحلة.. هل نتعلم من دروس الحرب؟

عاد ملف الوجود الأجنبي إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، ليس باعتباره قضية إدارية أو سكانية فحسب…