المواصفات… و الجبادات
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

أطلقت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، أول أمس، بالتعاون مع شركة كهرباء السودان القابضة ، حملة قومية لمكافحة التوصيلات العشوائية “الجبادات”. وتكتسب هذه الحملة أهمية تتجاوز بعدها الخدمي، إذ تمتد إلى استدامة الخدمة، كما تضع إعادة الإعمار في سياقها الصحيح، فالإعمار لا يعني استعادة الخدمات وحدها، بل بناء وعي عام يجعل احترام المرافق العامة وجودة الخدمة، جزءًا من ثقافة المجتمع والدولة.
وكما أكد د. عمر عبدالله إبراهيم، رئيس اللجنة القومية الكهروتقنية، فإن “الالتزام بالمواصفات يحمي الأرواح والمنشآت، وحماية الشبكة القومية مسؤولية مشتركة لضمان استقرار واستدامة الإمداد الكهربائي”. وعليه، فإن الالتزام بالمواصفات يمثل شرطًا لنجاح التعافي وحماية الأرواح والممتلكات، فيما تبدأ إعادة الإعمار باستعادة هيبة القانون وترسيخ المسؤولية العامة، ليصبح المواطن شريكًا في صون مقدرات البلاد.
من هذا المنطلق تعتبر المبادرة المشتركة بين الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس وشركة كهرباء السودان إطارًا مهما للتوعية بالتوصيلات العشوائية، لتجسد نموذجًا لتكامل مؤسسات الدولة في مرحلة التعافي، وترسيخ ثقافة تربط بين احترام المواصفات، وصون المال العام، واستدامة الخدمات كركائز لإعادة بناء الدولة.
وهذا في تقديري ربط ذكي، يؤسس لثقافة جديدة تربط بين احترام القانون، وحماية المال العام، واستدامة الخدمات. لا يخفى أن ظروف الحرب في اوقات سابقة فرضت واقعًا استثنائيًا، دفعت خلاله بعض الأسر إلى اللجوء للتوصيلات المؤقتة بسبب تعطل أجزاء واسعة من الشبكة وغياب منظومة الكهرباء عن أداء دورها من داخل المكاتب.
لكن المشهد تغير، فمع عودة قطاع الكهرباء إلى عمله، واستمرار إدخال المحولات الجديدة، وتأهيل الشبكات، وفتح، مكاتب الخدمات والتطبيقات البنكية للحصول على الخدمة، لم تعد هناك مبررات لاستمرار التوصيلات خارج الأطر القانونية. بل إن الإصرار على ما يُعرف بـ “الجبّادات” لم يعد يمثل استجابة لضرورة فرضتها الحرب، وإنما أصبح اعتداءً على حق المجتمع في خدمة مستقرة، واستنزافًا لموارد الدولة، وسلوكًا يعرّض مرتكبيه للمساءلة القانونية، ويقوض الجهود المبذولة لإعادة الإعمار.
وهنا تتجلى أهمية الرسالة التي تقودها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، لأنها لا تخاطب المواطن بلغة العقوبات وحدها، وإنما بلغة المسؤولية الوطنية. فالالتزام بالمواصفات لم يعد خيارًا فنيًا، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني، لأن انهيار محول واحد بسبب الأحمال غير القانونية قد يحرم حيًا كاملًا من الكهرباء، ويهدر موارد كان يمكن توجيهها إلى إعادة تأهيل محطة أو توسيع شبكة أو خدمة منطقة جديدة.
غير أن هندسة الوعي الوطني لا يمكن أن تكون مسؤولية مؤسسة واحدة، مهما بلغت كفاءتها. فهذه المهمة تتطلب شراكة واسعة تتكامل فيها الأدوار بين الأجهزة التنفيذية والإعلام ولجان الأحياء والمؤسسات التعليمية والدينية ومنظمات المجتمع المدني.
فالإعلام مسؤول عن تحويل الرسائل التنموية إلى ثقافة مجتمعية، ولجان الأحياء مطالبة بأن تكون خط الدفاع الأول في رصد الممارسات السالبة وتعزيز ثقافة المحافظة على المرافق العامة، بينما تضطلع المؤسسات التعليمية والتربوية بغرس قيم احترام القانون والمال العام لدى الأجيال الجديدة. وبهذا المعنى، يصبح الوعي مشروعًا وطنيًا، لا حملة موسمية.
ولعل القيمة الأهم في هذه التجربة أنها تقدم نموذجًا لما يمكن تسميته “بالحوكمة التكاملية “،حيث لا تعمل مؤسسات الحكومة بمفردها، وإنما تتشارك المعرفة والموارد والرسائل لتحقيق الأهداف الوطنية. وقد أثبتت التجربة أن توحيد الخطاب بين المواصفات والكهرباء منح المبادرة قوة وتأثيرًا أكبر، وقدم نموذجًا، لتعظيم الاستفادة من الإمكانات البشرية والمادية، وهو ما تحتاج إليه الدولة في جميع الملفات.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى تأهيل محطات الكهرباء وحدها، بل إلى استعادة الثقة بين الدولة والمواطن. فالدولة مسؤولة عن تقديم الخدمات، والمواطن مسؤول عن حمايتها . ومن دون هذه الشراكة، يظل الإعمار هشًا، لأن بناء المرافق لا ينجح من دون بناء الوعي واحترام القانون، وصون الممتلكات العامة.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن دلالة هذه المبادرة تمتد أبعد من قطاع الكهرباء، لتؤكد أن مرحلة ما بعد الحرب في السودان لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء البنية التحتية، بل إلى إعادة تركيب منظومة العمل الحكومي . وإذا ما تكرّس هذا النموذج من التكامل بين المواصفات والمقاييس وشركة الكهرباء، فإنه يصلح لأن يتحول إلى مقاربة وطنية شاملة، تتسع لتضم المواطن، ولجان الأحياء، ومنظمات المجتمع المدني، وقطاع التعليم، ووسائل الإعلام، في شبكة مسؤولية واحدة تتقاسم الوعي والتنفيذ والرقابة.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 1 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
د.مزمل سليمان وأ.الطيب قسم السيد يوثقان سنوات المحنة
لم يكن صوتا الدكتور مزمل سليمان حمد والأستاذ الطيب قسم السيد غريبين على آذان السودانيين فع…





