‫الرئيسية‬ مقالات السودان… متلازمة الكاتب بلا قارئ
مقالات - ‫‫‫‏‫22 ساعة مضت‬

السودان… متلازمة الكاتب بلا قارئ

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في ختام مقالنا الاسبق من #أصل_القضية توقفنا عند سؤال بدا، للوهلة الأولى، سؤالًا نفسيًا:

 

لماذا نصدق ما نريد تصديقه؟

 

لكن قبل أن نبحث في أسباب التصديق، لا بد أن نسأل سؤالًا يسبقه:

كيف يتلقى المجتمع السوداني المعرفة أصلًا؟

فلا يمكن فهم الطريقة التي تتشكل بها القناعات، ولا تفسير سرعة انتشار الروايات والشائعات، ولا إدراك أسباب هيمنة بعض الأصوات على المجال العام، إذا تجاهلنا طبيعة البيئة التي تستقبل المعرفة نفسها.

 

ولهذا نتوقف قليلًا عن تشريح المجال العام، لنعود إلى نقطة تبدو بعيدة، لكنها في الحقيقة تقع في قلب القضية.

 

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

في السودان اليوم، تبدو مفارقة تستحق التأمل.

 

الكل يكتب…

الأستاذ الجامعي يكتب.

والباحث ينشر أوراقه تباعًا.

والصحفي يدون تحليلاته.

والناشط يصوغ رؤيته للأحداث.

وحتى المواطن العادي أصبح يمتلك منبرًا شخصيًا لا تحده صحيفة، ولا مؤسسة، ولا هيئة تحرير.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

 

من يقرأ لكل هؤلاء؟

بل السؤال الأكثر إيلامًا:

 

هل أصبحنا مجتمعًا يكتب أكثر مما يقرأ؟

وهل دخلنا بالفعل في ما يمكن أن نسميه:

 

> متلازمة الكاتب بلا قارئ؟

 

ليست القضية دعوة إلى تقليل الكتابة، ولا حنينًا إلى زمن احتكار النشر.

فالكتابة، في جوهرها، فعل تحرر، وإنتاج للوعي، ومشاركة في المجال العام.

كما أن ما وفرته الثورة الرقمية، وما أتاحه الذكاء الاصطناعي من أدوات للكتابة والتحرير والوصول إلى المعرفة، يمثل تحولًا تاريخيًا يصعب المبالغة في أهميته.

لكن كل تحول يحمل معه مفارقاته.

لقد أصبح الهاتف الذكي اليوم دار نشر متنقلة.

وأصبح الذكاء الاصطناعي مساعدًا شخصيًا يكتب، ويحرر، ويقترح، ويصوغ.

وبات إنتاج مقال كان يحتاج أيامًا، يتم في ساعات، وربما في دقائق.

غير أن حقيقة واحدة لم تتغير.

 

> وقت الإنسان ما يزال أربعًا وعشرين ساعة.

 

فالذكاء الاصطناعي ضاعف القدرة على الإنتاج…

لكنه لم يضاعف القدرة على القراءة.

ومن هنا ولدت مفارقة جديدة.

 

> كلما ازدادت سهولة الكتابة… ازدادت ندرة القارئ المتأمل.

 

لكن اختزال الظاهرة في التكنولوجيا وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا.

فالمشكلة أعمق من الهاتف.

وأقدم من الذكاء الاصطناعي.

 

ولو سألت عددًا من الأساتذة والباحثين الذين يكتبون باستمرار:

هل تقرؤون لغيركم؟

فقد تسمع جوابًا صريحًا:

 

“لا.”

 

ليس احتقارًا للقراءة…

ولا إنكارًا لقيمتها…

بل لأن كل واحد منهم غارق في مشروعه، وأبحاثه، وأفكاره.

 

وهنا يظهر شكل جديد من الفردانية المعرفية.

كل كاتب يتحول إلى جزيرة مستقلة.

يكتب…

لكن نادرًا ما يتغذى بما يكتبه الآخرون.

وفي المقابل، تتعدد أنماط القراءة نفسها.

فثمة من لا يقرأ إلا لأسماء بعينها.

وثمة من يقرأ بحثًا عن الأخطاء، لا عن الفكرة.

وثمة من يقرأ ليقتبس الأسلوب، لا ليحاور المعنى.

وهكذا تصبح القراءة انتقائية ووظيفية، أكثر من كونها فعلًا مفتوحًا على اكتشاف الآخر.

 

ولعل أخطر نتائج هذه الظاهرة أن كثيرًا من المشاريع الفكرية السودانية تبدأ دائمًا من نقطة الصفر.

فبدل أن يبني كل جيل على ما أنجزه الجيل السابق…

ينشغل بإعادة إنتاج الأسئلة نفسها.

وكأن الذاكرة المعرفية الوطنية لا تمتلك آليات للتراكم.

ولا أدوات لحفظ الخبرة.

ولا جسورًا تربط الأفكار ببعضها.

 

إن الأمم لا تنهض بكثرة الكتّاب وحدها.

بل بقدرتها على تحويل الكتابة الفردية إلى رأسمال فكري جماعي.

 

وهنا يبرز سؤال ربما يبدو خارج الموضوع، لكنه في الحقيقة مفتاحه:

 

> لماذا لا يحدث هذا التراكم في السودان بالقدر الذي نحتاج إليه؟

 

الإجابة ليست في ضعف العقول…

ولا في قلة الكفاءات.

بل ربما تكمن في الطريقة التي تشكل بها وعينا عبر التاريخ.

وهذا ما سنناقشه في المقال القادم.

 

أما اليوم، فيكفينا أن ندرك أن أزمة “الكاتب بلا قارئ” ليست مجرد أزمة قراءة.

 

إنها أزمة تواصل بين العقول.

وأزمة تراكم بين الأجيال.

وأزمة معرفة لم تتحول بعد إلى مشروع وطني مشترك.

 

ومن منظور رؤية الجسر والمورد، فإن الجسر لا يربط بين الدول والمصالح وحدها…

بل يربط أيضًا بين الأفكار.

وبين الباحثين.

وبين المدارس الفكرية.

أما المورد، فليس النفط، ولا الذهب، ولا الأرض فقط…

بل المعرفة الوطنية حين تتحول إلى رصيد متراكم، تستفيد منه الأجيال بدل أن تبدأ من الصفر كل مرة.

 

> فالكاتب الذي لا يقرأ لغيره… يشبه نهرًا يرفض الالتقاء بالأنهار الأخرى. قد يحتفظ بمائه… لكنه لن يصنع بحرًا.

 

ومع تسارع أدوات الذكاء الاصطناعي، قد يصبح إنتاج النصوص أسهل من أي وقت مضى.

لكن السؤال الحقيقي لن يكون:

من يستطيع أن يكتب؟

بل:

من يستطيع أن يقرأ؟

ومن يستطيع أن يبني فوق ما كتبه الآخرون؟

 

لأن معركة السودان القادمة ليست معركة إعادة الإعمار وحدها.

ولا معركة الاقتصاد وحده.

ولا معركة السياسة وحدها.

إنها أيضًا معركة بناء مجتمع يتقن الإصغاء كما يتقن الحديث.

 

ويقرأ كما يكتب.

 

ويتراكم فيه الفكر بدل أن يتبعثر بين آلاف الأصوات المنعزلة.

 

وربما لهذا السبب… لن نستطيع أن نجيب عن سؤالنا المؤجل: لماذا نصدق ما نريد تصديقه؟ قبل أن نفهم كيف تصل المعرفة إلى الناس، وكيف تُقرأ، وكيف تتحول من نص مكتوب إلى قناعة مستقرة. فطريقة القراءة ليست مجرد عادة ثقافية… بل هي إحدى الآليات التي تُصنع بها القناعات نفسها. لأن المجتمعات لا تصدق ما تعرفه فقط، بل كثيرًا ما تصدق بالطريقة التي تعرف بها.

 

لأن الأمم التي لا تعرف كيف تقرأ نفسها…

يصعب عليها أن تكتب مستقبلها.

‫شاهد أيضًا‬

طرق الخرطوم تحركات عاجلة لصيانة المداخل والاستعداد لموسم الخريف

أكدت هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه بولاية الخرطوم أهمية الإسراع في تأهيل وصيانة مداخل ا…