‫الرئيسية‬ مقالات أستحيي منك سيدي البرهان… ولكن الحياء عن الحقيقة جريمة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

أستحيي منك سيدي البرهان… ولكن الحياء عن الحقيقة جريمة

حديث الساعة إلهام سالم منصور

أستحيي منك سيدي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولكنني أستحيي أكثر من أن أصمت عن حقيقة أصبحت واضحة أمام كل سوداني عاش هذه الحرب، أو نزح بسببها، أو فقد قريبًا، أو عاد إلى منزله فلم يجد سوى الركام.

الحقيقة لا تُجامل أحدًا، ولا تعرف المجاملة في القضايا الوطنية، لأن الأوطان لا تُبنى بالصمت، وإنما تُبنى بالصدق، مهما كان ثمنه.

ما شهدته الخرطوم منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان انهيارًا لمدينة كانت تمثل قلب السودان النابض. بل إنني لا أقول الخرطوم وحدها، وإنما السودان كله، لأن الخرطوم كانت صورة الوطن المصغرة؛ فيها التقت كل القبائل وكل الثقافات وكل الديانات، وكان المسجد إلى جوار الكنيسة، وكان ابن الشرق يعيش مع ابن الغرب، وابن الشمال مع ابن الجنوب، دون أن يسأل أحد عن قبيلته أو جهته.

لقد كانت الخرطوم عنوانًا للوحدة الوطنية، قبل أن تتحول بفعل الحرب إلى مدينة مثقلة بالجراح.

لقد رأى السودانيون بأعينهم ما حل بالأحياء السكنية، والأسواق، والمستشفيات، والجامعات، والمصانع، والجسور، ومحطات الكهرباء والمياه، والمتاحف، ودور العبادة، والمؤسسات الحكومية، ومنازل المواطنين. إن حجم الدمار الذي أصاب العاصمة ومدنًا أخرى سيحتاج إلى سنوات طويلة حتى يُمحى أثره، وإلى إرادة وطنية صادقة تعيد بناء الإنسان قبل الحجر.

إن جامعة الخرطوم لم تكن مجرد مبانٍ، وإنما كانت ذاكرة وطن، ومهدًا للعلم والفكر والسياسة والثقافة. وما أصابها أحزن كل سوداني يعرف قيمة هذا الصرح. وكذلك ما لحق بالمتحف القومي، وبالمكتبات، وبالمؤسسات التعليمية والخدمية، فهو خسارة تمس تاريخ السودان وهويته.

سيدي البرهان…

لقد وقف الشعب السوداني مع قواته المسلحة في واحدة من أصعب المحطات التي مرت على البلاد، وقدّم آلاف الشهداء والجرحى، وتحمل النزوح والجوع والخوف، مؤمنًا بأن الدولة لا يمكن أن تقوم إلا بسيادة القانون ووحدة الجيش.

ولهذا فإن أي قرار يتعلق بقيادات الدعم السريع أو العناصر التي تسلّم نفسها ينبغي أن يُدار بمنتهى الحكمة والوضوح، لأن القضية لا تخص السلطة وحدها، بل تمس مشاعر ملايين السودانيين الذين دفعوا ثمن الحرب.

إن كثيرًا من المواطنين يتساءلون: لماذا جاء هذا التسليم في هذا التوقيت؟ لماذا لم يحدث في الأيام الأولى للحرب، أو خلال عامها الأول؟ ولماذا جاء بعد أن تغيّرت موازين المعركة على الأرض، وبعد أن استعاد الجيش السيطرة على مناطق واسعة؟

هذه أسئلة مشروعة يطرحها الناس، ولا ينبغي تجاهلها.

إن الاستسلام، إذا كان صادقًا، ينبغي أن يكون للدولة وليس لمصلحة سياسية. ويجب أن يكون بدايةً لسيادة القانون، لا وسيلةً للإفلات من المساءلة.

ومن هنا، فإن المطلوب هو التجريد الكامل من السلاح، وعدم السماح بأي تشكيل مسلح خارج مؤسسات الدولة، وأن تُنظر أي مسؤوليات جنائية أو حقوقية عبر القضاء المختص، وفق الإجراءات القانونية، بما يحفظ حقوق الضحايا ويصون هيبة الدولة.

سيدي البرهان…

لقد خرج ملايين السودانيين من بيوتهم، ونزحوا داخل البلاد وخارجها، وتفرقت الأسر بين المدن والدول، وفقد أطفال سنوات من التعليم، وخسر المرضى حقهم في العلاج، وتوقفت عجلة الإنتاج، وتضرر الاقتصاد بصورة غير مسبوقة.

هذه الحرب لم تترك بيتًا إلا وطرقت بابه.

واليوم، وبعد كل هذه التضحيات، فإن الشعب ينتظر دولة قوية، لا مساومات فيها على الأمن، ولا تهاون فيها مع السلاح خارج إطار القوات النظامية، ولا تمييز فيها بين المواطنين.

إن السودان لا يحتاج إلى تسويات هشة، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أساس العدالة وسيادة القانون والمواطنة.

ويبقى السؤال حاضرًا في وجدان السودانيين: ما القضية التي استحقت كل هذا الدمار؟ وما الذي جناه المواطن البسيط من هذه الحرب سوى فقدان الأمن والاستقرار والرزق؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستظل جزءًا من كتابة تاريخ هذه المرحلة، وستظل العدالة مطلبًا لكل من فقد عزيزًا أو منزلاً أو حلمًا.

ويحضرني البيت الشعري الذي يختصر مرارة المشهد:

علَّمته الرماية فلما اشتد ساعده

رماني…

هكذا يشعر كثير من السودانيين وهم ينظرون إلى ما آلت إليه البلاد.

سيدي البرهان…

لقد أثبت الجيش السوداني، في نظر مؤيديه، قدرةً على استعادة مناطق واسعة من البلاد، وسط تضحيات كبيرة قدمها الجنود والمستنفرون والقوات المساندة، كما وقف المواطنون في كثير من الولايات سندًا للدولة في مواجهة الحرب.

واليوم، وبعد أن اقترب السودان من مرحلة جديدة، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي حماية النصر من أي أخطاء سياسية قد تُضعف ثقة الشعب في دولته.

إن السلام الحقيقي لا يُبنى بالنسيان، وإنما بالحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، واستعادة الخدمات، وإحياء الاقتصاد، وفتح المدارس والجامعات، وإعادة الحياة إلى الخرطوم وكل مدن السودان.

وسيظل السودان أكبر من الحرب، وأكبر من السلاح، وأكبر من كل مشروع يسعى إلى تقسيمه أو تمزيق وحدته.

حفظ الله السودان، ورحم شهداءه، وأعاد الأمن والاستقرار إلى كل شبر من أرضه.

الاثنين ٦يوليو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

خسر الشباب حين استراح هاني من وعثاء المسئولية

ترجّل الأخ الدكتور هاني بعد أن امتطى صهوة النجاح، وبعد أن خاض معركة صناعة القيادات الشابة،…