السودان بين فوضى السلاح والمخدرات وخطاب الكراهية.. هل آن أوان استعادة هيبة الدولة؟
حديث الساعة الهام سالم منصور

منذ اندلاع الحرب، دخل السودان مرحلة استثنائية ألقت بظلالها على كل مفاصل الدولة والمجتمع. فلم تعد الأزمة مقتصرة على المواجهات العسكرية، بل تمددت إلى قضايا أكثر تعقيداً تمس الأمن القومي والنسيج الاجتماعي وهيبة مؤسسات الدولة. فبين انتشار السلاح، وظهور أنماط جديدة من الجريمة المنظمة، وتصاعد تجارة المخدرات، وتراجع دور المبادرات المجتمعية المؤثرة، والانفلات الإعلامي عبر منصات التواصل الاجتماعي، يقف السودان اليوم أمام سؤال مصيري: كيف يستعيد الوطن عافيته وهيبة دولته؟
أولاً: تعدد السلاح… التحدي الأكبر أمام الدولة
لا يمكن لأي دولة أن تحقق الأمن والاستقرار في ظل تعدد مراكز القوة وانتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية. فكلما تعددت الجهات المسلحة، ضعفت سلطة القانون، وازدادت مخاوف المواطنين، وأصبحت عملية بناء الدولة أكثر تعقيداً.
إن التجارب الدولية أثبتت أن أول خطوة في مرحلة التعافي بعد النزاعات هي حصر السلاح في يد الدولة، ودمج أو تسريح التشكيلات المسلحة وفق أطر قانونية، بما يضمن قيام مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة تعمل وفق الدستور والقانون.
ثانياً: تجارة المخدرات… حرب صامتة تستهدف المجتمع
في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة، تجد شبكات الجريمة المنظمة بيئة مواتية للتوسع، وتصبح تجارة المخدرات من أخطر التحديات التي تهدد المجتمع، لما لها من آثار صحية واجتماعية وأمنية، خاصة على فئة الشباب.
فالمخدرات لا تستهدف الفرد وحده، بل تستهدف مستقبل الوطن بأكمله، لأنها تضعف الإنتاج، وتزيد معدلات الجريمة، وتستنزف قدرات المجتمع. ولذلك فإن مكافحتها لا تقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب دوراً للأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني.
ثالثاً: أين ذهب صوت الحكماء؟
عرف السودان عبر تاريخه الطويل بقياداته المجتمعية والإدارات الأهلية التي لعبت أدواراً بارزة في الإصلاح وإطفاء النزاعات. واليوم، تبدو الحاجة إلى صوت العقل والحكمة أكبر من أي وقت مضى.
إن المبادرات الوطنية لا تقاس بعدد المؤتمرات أو الصور التذكارية، وإنما بقدرتها على جمع الفرقاء، وتهدئة النفوس، وتحقيق نتائج ملموسة تعزز السلم المجتمعي وتعيد الثقة بين المواطنين.
رابعاً: المبادرات بين الوطنية والمصالح
ظهرت خلال سنوات الأزمة عشرات المبادرات تحت عناوين المصالحة ولم الشمل، إلا أن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً باستقلاليتها، ووضوح أهدافها، وقدرتها على خدمة الصالح العام بعيداً عن المصالح الشخصية أو المكاسب السياسية.
فالوطن يحتاج إلى مبادرات تعمل بإخلاص، وتضع السودان فوق كل اعتبار، وتسهم في بناء جسور الثقة بين أبناء الشعب.
خامساً: الإعلام الجديد… بين الحرية والمسؤولية
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعباً رئيسياً في تشكيل الرأي العام، لكنها في الوقت نفسه قد تكون ساحة لانتشار الشائعات وخطابات الكراهية والمعلومات غير الدقيقة.
إن النقد المسؤول جزء أساسي من أي مجتمع، لكن تحويل الخلافات إلى حملات إساءة أو تحريض يهدد وحدة المجتمع ويزيد من حالة الاستقطاب. لذلك فإن حرية التعبير ينبغي أن تقترن بالمسؤولية، واحترام القانون، والتحقق من المعلومات قبل نشرها.
سادساً: هيبة الدولة ليست شعاراً
هيبة الدولة لا تُبنى بالخطب أو الشعارات، وإنما تتحقق عندما يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن مؤسسات الدولة تعمل بكفاءة وعدالة، وأن حقوقه مصانة، وأن الأمن متوفر، وأن الخدمات الأساسية تسير بصورة منتظمة.
كما أن مكافحة الفساد، وتعزيز استقلال القضاء، ودعم الاقتصاد، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، كلها عناصر أساسية في استعادة ثقة المواطن بالدولة.
كيف يستعيد السودان مكانته؟
إن استعادة السودان لمكانته تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على عدة مرتكزات:
تعزيز سيادة القانون وحصر السلاح في إطار مؤسسات الدولة.
مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات بكل حزم.
دعم المبادرات الوطنية الجادة التي تعزز السلم المجتمعي.
تمكين الإعلام المهني لمواجهة الشائعات وخطابات الكراهية.
إشراك الحكماء والإدارات الأهلية والقوى المجتمعية في جهود المصالحة.
التركيز على إعادة الإعمار والتنمية وتحسين الخدمات.
ترسيخ ثقافة الحوار واحترام التنوع ونبذ خطاب الكراهية.
خاتمة
السودان ليس وطناً فقيراً بالإمكانات، بل هو وطن غني بتاريخه وموارده وإنسانه. وما يمر به اليوم يمثل اختباراً لقدرة أبنائه ومؤسساته على تجاوز آثار الحرب وبناء مستقبل أكثر استقراراً. إن استعادة هيبة الدولة تبدأ بسيادة القانون، وتقوية المؤسسات، وترسيخ قيم المسؤولية والتعايش، والعمل المشترك من أجل وطن آمن ومستقر يتسع لجميع أبنائه.
والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تمتلك إرادة الإصلاح، وتحتكم إلى القانون، وتستثمر في إنسانها، قادرة على تجاوز أصعب الأزمات، مهما بلغت التحديات.
السبت ١٨يوليو٢٠٢٦
بين المشروعية الدستورية والضرورة الدستورية… هل يتعارضان أم يتكاملان؟
أثارت المذكرة القانونية التي قدمها البروفيسور ناجي مصطفى، وما أعقبها من قراءة تحليلية للدك…





