عندما يُتخذ نقد السياسة مدخلًا للطعن في الدين(١)
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعت على ما كتبه علاء محمد عبد الرحيم في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال: *”أُشهد الله، وأُشهد كل من يقرأ هذه الكلمات، أنني كافرٌ بدين الكيزان، لا بالدين الذي أنزله الله قرآنًا يُتلى على سيدنا محمد ﷺ…”*، ثم مضى يبين أن مقصوده هو رفض ما يراه توظيفًا للدين في العمل السياسي.
وأود أن أوضح منذ البداية أن هذا التعقيب *ليس دفاعًا عن حزب، ولا عن جماعة، ولا عن تجربة حكم، فكل عمل بشري يُقبل منه ويُرد، وكل تجربة سياسية تُقيَّم بميزان العدل والإنصاف، ولا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ. كما أن لنا على كثير من التجارب السياسية، بما فيها التجارب التي رفعت الشعارات الإسلامية، ملاحظات وانتقادات لا يجوز السكوت عنها إذا ثبتت، لأن المسلم مأمور بقول الحق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾* [المائدة: 8].
لكن المشكلة لا تكمن في نقد الأخطاء، *وإنما في توجيه سهام النقد إلى الدين نفسه، أو استعمال ألفاظ توهم أن الإسلام أو أحكامه هي موضع الاتهام*.
فلو كان المقصود نقد حزب أو تنظيم أو تجربة سياسية، لكان الطريق واضحًا؛ فيُقال: أخطأ الحزب الفلاني، أو انحرفت الجماعة الفلانية، أو فشلت التجربة السياسية، أو أُسيء توظيف الدين لتحقيق مكاسب دنيوية. أما اختيار لفظ “الدين” ثم إعلان الكفر به، فليس تعبيرًا عابرًا، بل اختيارٌ مقصود يحمل دلالات خطيرة، لأن الألفاظ أوعية المعاني، والناس يحملون الكلام على ظاهره، لا على ما يقال بعد ذلك لتفسيره.
*ولو كان المقصود مجرد نقد الممارسات، فما الحاجة إلى استعمال كلمة “الدين” أصلًا؟ ولماذا لم يسمِّ الأشياء بأسمائها؟ ولماذا أُقحم لفظ شرعي عظيم في خصومة سياسية؟ إن هذا الأسلوب لا يخدم النقد، بل يفتح بابًا للتشكيك في الدين تحت ستار نقد الممارسة.*
ولهذا أمر الله تعالى بحسن اختيار الألفاظ، فقال سبحانه: *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾* [الأحزاب: 70-71]. قال الإمام الطبري في تفسيره: *أي قولًا مستقيمًا عدلًا لا اعوجاج فيه، وقال ابن كثير: أي قولًا مستقيمًا لا زيغ فيه ولا انحراف.*
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية *أن الألفاظ المجملة المحتملة ينبغي اجتنابها؛ لأنها توقع الناس في اللبس، ولا يُقبل منها شيء حتى يُعرف المراد منها، وبيَّن أن كثيرًا من النزاعات نشأت بسبب إطلاق ألفاظ تحتمل حقًا وباطلًا*. (مجموع الفتاوى، 12/113-114، و3/306).
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه ينقل النقاش من نقد تصرفات البشر إلى التشكيك في الدين نفسه. وهذا منهج غير صحيح؛ لأن الإسلام لا يُعرف بأفعال المنتسبين إليه، وإنما يُعرف بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
*فإذا أخطأ طبيب، لم يقل أحد إن علم الطب باطل وإذا ظلم قاضٍ، لم يقل أحد إن القضاء ظالموإذا خان أمين، لم يقل أحد إن الأمانة مذمومة*.
*فكيف إذا أخطأ بعض المنتسبين إلى الإسلام، أو أساءوا تطبيق بعض أحكامه، يُجعل ذلك مبررًا للطعن في الدين أو التنفير من أحكامه؟*
إن الواجب هو تصحيح الخطأ، لا هدم الأصل ولهذا قال الله تعالى: *﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾* [الأحزاب: 36].
فالآية تقرر أصلًا عظيمًا، وهو أن المؤمن لا يرد حكم الله ورسوله بسبب خطأ أحد في تطبيقه، لأن الخلل في التطبيق لا في التشريع، وفي البشر لا في الوحي كما قال سبحانه: *﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾* [الأنعام: 164]، فلا يجوز أن تُحمَّل شريعة الله أخطاء من انتسب إليها، كما لا يجوز أن يتحمل الدين تبعات تصرفات البشر.
وقد قرر الإمام الشاطبي *أن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق، وأن انحراف بعض المنتسبين إلى الحق لا يقدح في الحق نفسه.* (الاعتصام، 1/49 وما بعدها). ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: *”كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، مشيرًا إلى قبر النبي ﷺ.* (ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، 2/32).
*ومن هنا فإن الخطأ المنهجي في المقال ليس في نقد تجربة سياسية، فهذا حق مشروع، وإنما في جعل الدين عنوانًا للخصومة، واستعمال ألفاظ توهم أن المشكلة في الإسلام وأحكامه، مع أن الواجب هو التفريق بين الوحي المعصوم والاجتهاد البشري، وبين الشريعة الربانية والممارسة الإنسانية.*
إن المسلم إذا رأى ظلمًا أو فسادًا أو استبدادًا ممن ينتسب إلى الإسلام، لا يكون موقفه أن يزهد الناس في الدين، ولا أن يجعل أحكام الشريعة موضع اتهام، وإنما يقول بكل وضوح: هذا مخالف للإسلام، وليس من الإسلام.
*وهذا هو منهج القرآن؛ فقد كان يعالج انحراف المؤمنين بردهم إلى الوحي، لا بإبعادهم عنه، ويصحح الخطأ دون أن يمس أصل الدين.*
*إن أخطاء الأشخاص لا تُبطل الشريعة، كما أن انحراف بعض المنتسبين إليها لا يسقط أحكامها. وسيبقى الإسلام محفوظًا بحفظ الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾* [الحجر: 9].
ولذلك فإن من أراد نقد أي تجربة سياسية فليكن نقده موجَّهًا إلى أصحابها وأفعالهم، لا إلى دين الله، وليكن ميزانه العدل الذي أمر الله به، بعيدًا عن الألفاظ التي تثير الشبهات، أو تمنح خصوم الإسلام فرصة للطعن في دين الله باسم نقد التجارب.
*فنحن لا ندافع عن أخطاء أحد، ولا نزكي تجربة بشرية، ولكننا نرفض أن تكون أخطاء البشر ذريعة للطعن في شريعة رب البشر، لأن الواجب إذا أخطأ الناس أن نُصلح الخطأ، لا أن نُشكك في الدين، وأن نرد الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا أن ننفرهم منهما.*
كردفان تكتب الفصل الجديد… عندما يتغير ميزان الميدان ويُرسم مستقبل السودان
لم تكن الانتصارات التي أُعلن عنها في كردفان مجرد تقدم عسكري في خارطة العمليات، بل جاءت لتف…





