قفزة نحو المستقبل: الذكاء الاصطناعي بوابة التنمية وإعادة الإعمار
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تأتي الخطوة الأخيرة بانضمام إحدى أكثر الدول محورية في المنطقة كعضو مؤسس لـ “المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي” في العاصمة الصينية، لتعلن عن تدشين مرحلة جديدة من إعادة تموضع التقنية في معادلات النهوض الشامل. إن هذه الخطوة لا تمثل مجرد توقيع بروتوكولي على وثيقة دولية تنضم بموجبها إلى نادٍ يضم أكثر من ثلاثين دولة، بل هي اختيار استراتيجي واعي بالانحياز إلى مستقبل يقوده الانقلاب التكنولوجي، وتحديد للمسار الذي يجب أن تسلكه الدول الراغبة في تخطي عقبات الراهن ونقص التنمية.
يعكس التأسيس الفعلي لهذه المنظمة الدولية رغبة متزايدة لدى دول الجنوب في عدم البقاء على هامش الثورة الرقمية الرابعة. إن وجود تجمع دولي متكافئ يهدف إلى تنمية وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام صياغة معايير عالمية جديدة تكون أكثر عدالة وشمولاً، ولا تحتكرها مراكز القوى التقليدية بكسر الاحتكار التكنولوجي وتتيح هذه المنظمة إيجاد مظلة جامعة تبني جسور نقل التكنولوجيا بدلاً من فرض القيود عليها. وتعزيز الشراكات بين دول الجنوب وتوفر المنظمة منصة عمل مشتركة تتيح للدول النامية تبادل المعرفة بناءً على احتياجاتها الفردية وظروفها المحلية المشابهة، بجانب المشاركة في الحوكمة بصياغة أطر أخلاقية وتنظيمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي تضمن عدم تهميش اقتصاديات الدول النامية أو استغلال بياناتها.
بالنظر إلى التحديات الجسام والظروف الدقيقة التي يمر بها السودان، فإن الدخول في تأسيس هذه المنظمة يشكل طوق نجاة وركيزة أساسية لعمليات البناء المستقبلي. إن الاستفادة السودانية لا تقف عند حدود الانضمام الشكلي، بل تمتد لتشمل مجالات حيوية ومباشرة بتسريع وتيرة إعادة الإعمار والتنمية، ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي قصر المسافات والزمن في عمليات التخطيط والتنفيذ، في إدارة البنية التحتية، حيتم سرعة تقييم الأضرار، وتخطيط المدن الذكية، وإعادة إعمار الشبكات الأساسية باستخدام تحليل البيانات الضخمة والنماذج التنبؤية، بجانب النهوض بالزراعة والأمن الغذائي بتوظيف التقنية لتطوير الزراعة الدقيقة، ومراقبة المحاصيل عبر الأقمار الاصطناعي والتنبؤ بالمناخ، مما يعزز الإنتاجية في بلد يمثل الزراعة عموده الفقري.
في مجال نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، يتم تطوير الكوادر الشبابية والاستفادة من برامج التدريب المتطورة والمنح الدراسية والورش التي تتيحها المنظمة لصنع جيل جديد من المهندسين والمبرمجين، وفي مجال دعم البحث العلمي. يتم ربط الجامعات والمؤسسات البحثية الوطنية بمراكز الأبحاث العالمية المتخصصة، مما يرفع من جودة المخرجات الأكاديمية والتطبيقية.
وفي مجال توفير الاقتصاد الرقمي وفرص العمل، سيتم دعم ريادة الأعمال لتمكين الشركات الناشئة والشباب المبتكرين من الوصول إلى أدوات تكنولوجية متقدمة بأسعار مناسبة وبنية تحتية سحابية موثوقة، وبالتالي تحسين الخدمات الحكومية بتوظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة الرقمية، وإدارة الصحة العامة، والتعليم عن بعد، والخدمات المالية، مما يقلل الكلفة ويزيد الكفاءة.
إن التوقيع على وثائق التأسيس، على أهميته السياسية والدبلوماسية، يظل خطوة أولى تتطلب بناء استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي داخل الدولة.
لكي تؤتي هذه الخطوة ثمارها، ينبغي العمل فوراً على صياغة سياسة وطنية موحدة تحدد الأولويات والقطاعات ذات الأسبقية للاستفادة من شراكات المنظمة، وتطوير البنية التحتية الرقمية: تجهيز شبكات الاتصال ومراكز البيانات لتكون قادرة على استيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بإشراك القطاع الخاص والأكاديمي، وعدم رهن هذه الشراكة بالجهود الحكومية فقط، بل جعلها مشروعاً وطنياً تشارك فيه الجامعات وشركات الاتصالات والتكنولوجيا.
إن انضمام السودان كعضو مؤسس في هذه المنظمة العالمية يبرهن على أن النظرة للمستقبل يجب ألا تتوقف عند تعقيدات الحاضر. فالذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية تقنية، بل أصبح أداة أساسية في السيادة الوطنية والتنمية المستدامة، وبوابة رئيسية لاستعادة الدور المحوري والنهوض الاقتصادي في العصر الحديث.
من الهالوجينات الملونة ماء غير آسن
الماء هذا الشراب الطاهر العذب ، الزلال ، الفرات ، فهو مباركا ، ثجاجا ، معينا مسكوبا ، منهم…





