معركة الوجود ومتاهات العدالة: الشق القانوني والسياسي للعدوان على السودان
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تجاوزت الحرب المشتعلة في السودان منذ منتصف أبريل 2023 فكرة النزاع المسلح التقليدي بين طرفين يتقاتلان على السلطة، لتكشف عن ملامح عدوان استراتيجي واسع النطاق يرقى إلى مرتبة “حرب الوجود والكرامة الوطنية”. إن ما تشهده الساحة السودانية اليوم ليس مجرد صراع داخلي، بل هو استهداف ممنهج ومكتمل الأركان لمقومات الدولة، وهويتها، وبنيتها التحتية، وذاكرتها الاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز التوصيف القانوني والسياسي للأحداث باعتباره الجبهة الأشد خطورة، حيث تتشابك الانتهاكات الميدانية مع التعقيدات الجيوسياسية ومسارات العدالة الدولية.
عند قراءة المشهد الميداني بأدوات القانون الدولي الإنساني، يتضح أن الممارسات المرتكبة من قِبل المليشيات المتمردة لا يمكن تصنيفها جرائم جنائية فردية أو تجاوزات عابرة، بل هي جرائم حرب وإبادة جماعية معلنة تجسدت في الاستهداف المباشر والمنسق للمدنيين، والاعتداء على الأعيان المدنية والمستشفيات، والنهب الممنهج لممتلكات المواطنين، وممارسة العنف الجنسي كأداة للتركيع والترهيب، واتخذت الانتهاكات في أقاليم مثل دارفور – ولاسيما في الفاشر والجنينة – طابعاً عرقياً صريحاً، حيث تعرضت مجموعات سكانية بعينها لتصفية وجودية وسياسات تهجير قسري تنطبق عليها تماماً معايير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وإن التنظيمات الموازية وما يُسمى بمشاريع “التأسيس” السياسية والتحالفات الداعمة للمليشيا تعتبر جزءاً أصيلاً من هذه الجرائم، إذ توفر الغطاء السياسي والأيديولوجي لتفكيك مؤسسات الدولة الشرعية، وهو ما يندرج تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية.
إن اللجوء إلى آليات التقاضي الدولي كشف عن مأزق الهيكلية القانونية العالمية وتأثيرها بالنزاعات الجيوسياسية، فمحكمة العدل الدولية ومسار النزاعات بين الدول، إن العقبات الاستجرائية أو الانقسامات الأولية التي قد تواجهها الدولة في الدوائر الدولية – مثل الإجراءات المتعلقة بالتدابير المؤقتة أو الدفوع بعدم الاختصاص – لا تعني سقوط الحق المادي أو نفي الوقائع. بل تظهر بوضوح وجود استراتيجيات دولية وإقليمية تهدف إلى عرقلة مساءلة القوى الخارجية الداعمة للمليشيا، وسعي بعض الأطراف لتفكيك الدولة السودانية عبر فرض سياسة الأمر الواقع.
محكمة الجنايات الدولية والتقاضي الاستراتيجي، يبرز الاختلاف الجوهري بين محكمة العدل الدولية (التي تفصل في منازعات الدول) ومحكمة الجنايات الدولية (التي تلاحق الأفراد). إن نهج “التقاضي الاستراتيجي” الذي تقوده المبادرات القانونية الرسمية والشعبية لملاحقة القادة الميدانيين والداعمين الإقليميين والتمويلات الخارجية يمثل مساراً محورياً، كون الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم على الإطلاق.
لضمان عدم الإفلات من العقاب ولتحقيق إنصاف شامل للضحايا، يتوجب الانتقال من مربع الانفعال إلى مربع العمل الاستراتيجي المنظم عبر عدة محاور تشمل تفعيل الاختصاص العالمي ينبغي عدم الاقتصار على المنظمات الدولية الرئاسية، بل الاستفادة من المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية التي تأخذ بمبدأ “الاختصاص القضائي العالمي”، وتأطير الدعاوى الفردية والجماعية عبر الجاليات السودانية والحقوقيين المتواجدين بالخارج لملاحقة المتورطين وداعميهم أينما وجدوا.
الإعلام كأداة سيادية وقانونية، حيث يلعب الإعلام الممنهج دوراً حاسماً في إعادة تشكيل الرؤية الذهنية العالمية تجاه القضية السودانية. يجب تفنيد السرديات المضللة التي تحاول إظهار العدوان نزاع سياسي، وإبراز الحقيقة كحرب سلب وهدم مؤسسات الدولة، بالإضافة التكامل بين الجهود الرسمية والشعبية: يتطلب التحدي الراهن التنسيق الوثيق بين المؤسسات الحكومية، ونقابات المحامين، ومنظمات المجتمع المدني لجمع الأدلة وتوثيق الجرائم بدقة وفق المعايير الجنائية الدولية، بما يضمن بناء ملفات اتهام لا تقبل الدحض.
إن العدالة السودانية لن تنتظر التوازنات السياسية الدولية المتغيرة؛ فالحق الفردي والجمعي في المحاسبة يستند إلى إرادة صلبة وتوثيق دامغ لجرائم طالت الإنسان والأرض. إن فك ارتباط المليشيا بالغطاء الإقليمي وتجريد أدواتها السياسية والقانونية يمثل بداية الطريق لاستعادة هيبة الدولة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار مأساة الاستهداف الوجودي لواحد من أهم أركان الاستقرار في المنطقة.
العطا: أقوال تسبقها أفعال في ميادين القتال
إستمعتُ بإنصات للكلمة القوية المؤثرة التي خاطب بها رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ركن ي…





